البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
﴿ولكنَّا أنشأنا﴾ بعد موسى ﴿قروناً فتطاولَ عليهم العُمُرُ﴾، أي : طالت أعمارهم، وفترت النبوة، وانقطعت الأخبار، واندرست العلوم، ووقع التحريف في كثير منها، فأرسلناك ؛ مُجَدِّداً لتلك الأخبار، مبيناً ما وقع فيها من التحريف، وأعطيناك العلم بقصص الأنبياء، وأوقفناك على قصة موسى بتمامها، فكأنه قال : وما كنت شاهداً لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحيناه إليك، فأخبرت به، بعد اندراسه.
﴿ومَا كنتَ ثاوياً﴾ ؛ مقيماً ﴿في أهل مدين﴾، وهم شعيب والمؤمنون به، ﴿تتلو عليهم آياتنا﴾ ؛ تقرؤها عليهم، تعلماً منهم، أو : رسولاً إليهم تتلوها عليهم بوحينا، كما تلوتها على هؤلاء، يريد : الآيات التي فيها قصة شعيب وقومه، ﴿ولكنّا كنّا مُرسِلينِ﴾ لك، فأخبرناك بها، وعلَّمناك إياها، فأخبرت هؤلاء بها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : المراد من هذه الآيات : تحقيق نبوته صلى الله عليه وسلم ومعرفته الخاصة، وهي سُلَّم، ومعراج إلى معرفة الله تعالى ؛ لأنه الواسطة العظمى، فمهما عرفته المعرفة الخاصة عرفت الله تعالى، فمنه صلى الله عليه وسلم استمدت العلوم كلها ؛ علم الربوبية، من طريق البرهان، وعلمها من طريق العيان، وعلم المعاملة الموصلة إلى الرضا والرضوان، ومعرفة نبوته صلى الله عليه وسلم ضرورية لا تحتاج إلى برهان، ويرحم الله القائل :
وقد تقدم في الأعراف(١) التنويه به، وذكر شرفه، وشرف أمته، قبل ظهوره، وإليه الإشارة هنا بقوله :﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾، أي : إذ نادينا بأمرك، وأخبرنا بنبوتك، رُوي عن أبي هريرة ؛ أنه نُودي يومئذٍ من السماء : يَا أُمَةُ مُحَمّدٍ، استجبتُ لَكُم قَبْلَ أَنْ تَدْعُوني، وَغَفَرْتُ لَكُمْ قَبْلَ أنْ تَسألونِي، فحينئذٍ قال موسى - عليه السلام : اللهم اجعلني من أمة محمد(٢). هـ.
وقال القشيري : أي : لم تكن حاضراً تتعلم ذلك ؛ مشاهدةً، فليس إلا تعريفنا إياك، وإطلاعنا لَكَ على ذلك. ويقال : إذ نادينا موسى، وخاطبناه، وكلمناه في بابك وباب أُمَّتِكَ، وما طلب موسى لأمته جعلناه لأمتك، فكوْني لكم : خيرٌ لكم من كونِكم لكم، فلم تقدح فيكم غَيْبَتَكُمْ في الحال، كما أنشدوا :
ويقال : لما خاطب موسى وكلمه، سأله موسى، إنه رأى في التوراة أمة صفتهم كذا وكذا، من هم ؟ فقال : هم أمة محمد. وذكر لموسى أوصافاً كثيرة، فاشتاق إلى لقائهم، فقال له : ليس اليوم وقت حضورهم فإن شئت أسمعناك كلامهم، فأراد ذلك، فنادى : يا أُمة محمد ؛ فأجاب الكل من أصلاب آبائهم، فسمع موسى كلامهم، ثم لم يتركهم كذلك، بل زادهم من الفضائل ؛ لأن الغني ؛ إذا دعا فقيراً فأجابه ؛ لم يرض أن يذكره من غير إحسانه. هـ. وقال الطبري : معنى قوله :﴿إذ نادينا﴾ أي : بقوله :﴿سأكتبها للذين يتقون...﴾ الآية. هـ. والله تعالى أعلم.
﴿ومَا كنتَ ثاوياً﴾ ؛ مقيماً ﴿في أهل مدين﴾، وهم شعيب والمؤمنون به، ﴿تتلو عليهم آياتنا﴾ ؛ تقرؤها عليهم، تعلماً منهم، أو : رسولاً إليهم تتلوها عليهم بوحينا، كما تلوتها على هؤلاء، يريد : الآيات التي فيها قصة شعيب وقومه، ﴿ولكنّا كنّا مُرسِلينِ﴾ لك، فأخبرناك بها، وعلَّمناك إياها، فأخبرت هؤلاء بها.
| لَوْ لَمْ تَكُنْ فيه آيات مُبيِّنَة | لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ |
وقال القشيري : أي : لم تكن حاضراً تتعلم ذلك ؛ مشاهدةً، فليس إلا تعريفنا إياك، وإطلاعنا لَكَ على ذلك. ويقال : إذ نادينا موسى، وخاطبناه، وكلمناه في بابك وباب أُمَّتِكَ، وما طلب موسى لأمته جعلناه لأمتك، فكوْني لكم : خيرٌ لكم من كونِكم لكم، فلم تقدح فيكم غَيْبَتَكُمْ في الحال، كما أنشدوا :
| كُـنْ لِـي ؛ كَمَـا كُنْـتَ | لـي فـي حيـن لـمْ أَكُـنِ. هـ. |