اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
وقال أبو البقاء :«أم » في هذه الآيات منقطعة(١). وتقدم الخلاف في المنقطعة هل تقدر بِبَلْ وحدَها أو بِبَلْ والهمزة أو بالهمزة وحدها. والصحيحُ الثاني.
وقال مجاهد في قوله :«إنْ تَأمُرهُمْ » تقديره بَلْ تَأمُرُهُمْ. وقرأ :﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ يدل : أم هُمْ قَوْمٌ.
قوله :«نَتَرَبَّصُ » في موضع رفع صفة ل «شَاعِرٌ » والعامة على «نَتَرَبَّص » بإسناد الفعل لجماعة المتكلمين «رَيْبَ » بالنصب.
وزيد بن علي : يُتَرَبَّصُ - بالياء من تحت - على البناء للمفعول «رَيْبُ » بالرفع(٢).
و«رَيْبُ المَنُونِ » : حَوَادِثُ الدَّهْر، وتَقَلُّبَات الزَّمان ؛ لأنها لا تدوم على حال كالريب وهو الشك فإنه لا يبقى بل هو متزلزل. قال الشاعر :
وقال أبو ذُؤَيْب :
والمنون في الأصل الدهر. وقال الراغب : المَنُونُ : المنيّة ؛ لأنها تَنْقُصُ العَدَدَ، وتَقْطَعُ الْمَدَدَ. وجَعَلَ من ذلك قوله :﴿أجر غير ممنون﴾(٥) أي غير منقطع(٦). وقال الزمخشري : وهو في الأصل : فعول من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع، ولذلك سميت شعوب(٧). و«رَيْبَ » وريبة مفعول به أي ننتظر به حوادث الدهر أو المنية.
المعنى : بل يقولون يعني هؤلاء المقتسمين الخَرَّاصين شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ به رَيْبَ المنون حوادث الدهر وصروفه وذلك أن العرب كانت تحترز عن إيذاء الشعراء، فإن الشعر كان عندهم يحفظ ويدون فقالوا : لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شِعْره وإنما نصبر وَنَتَربَّصُ موتَهُ ويَهْلِك كما هلك من قبله من الشعراء ويتفرق أصحابه وإنّ أباه مات شاباً ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه. والمنون يكون بمعنى الدهر فيكون بمعنى الموت سُمِّيَا بذلك لأنَّهما يقطعان الأجل. أو يقال : إنه - عليه الصلاة والسلام - كان يقول : إن الحَقَّ دين الله، وإنَّ الشرع الذي أتيت به يبقى أبد الدهر، وكتابي يُمْلَى إلى قيام الساعة فقالوا : ليس كذلك إنما هو شاعر والذي يذكره شعر ولا ناصر له وسيصيبه من بعض آلهتنا الهَلاَك فنتربص به ذلك. وَرَيْبُ المَنُون : هو اسم للموت فَعُولٌ من المَنِّ، وهو القطع.
ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يكون المراد أنه إذا كان شاعراً فصروف الزمان ربما تضعف ذِهْنَهُ وتُورثُ وَهَنَهُ فيتبين لكل أحد فساد أمره وكساد شعره.
وقال مجاهد في قوله :«إنْ تَأمُرهُمْ » تقديره بَلْ تَأمُرُهُمْ. وقرأ :﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ يدل : أم هُمْ قَوْمٌ.
قوله :«نَتَرَبَّصُ » في موضع رفع صفة ل «شَاعِرٌ » والعامة على «نَتَرَبَّص » بإسناد الفعل لجماعة المتكلمين «رَيْبَ » بالنصب.
وزيد بن علي : يُتَرَبَّصُ - بالياء من تحت - على البناء للمفعول «رَيْبُ » بالرفع(٢).
و«رَيْبُ المَنُونِ » : حَوَادِثُ الدَّهْر، وتَقَلُّبَات الزَّمان ؛ لأنها لا تدوم على حال كالريب وهو الشك فإنه لا يبقى بل هو متزلزل. قال الشاعر :
| تَرَبَّصْ بِهَا رَيْبَ الْمَنُونِ لَعَلَّهَا | تُطَلَّقُ يَوْماً أَوْ يَمُوتُ خَلِيلُهَا(٣) |
| أَمِنَ الْمَنُونَ وَرَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ | وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ(٤) |
فصل
المعنى : بل يقولون يعني هؤلاء المقتسمين الخَرَّاصين شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ به رَيْبَ المنون حوادث الدهر وصروفه وذلك أن العرب كانت تحترز عن إيذاء الشعراء، فإن الشعر كان عندهم يحفظ ويدون فقالوا : لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شِعْره وإنما نصبر وَنَتَربَّصُ موتَهُ ويَهْلِك كما هلك من قبله من الشعراء ويتفرق أصحابه وإنّ أباه مات شاباً ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه. والمنون يكون بمعنى الدهر فيكون بمعنى الموت سُمِّيَا بذلك لأنَّهما يقطعان الأجل. أو يقال : إنه - عليه الصلاة والسلام - كان يقول : إن الحَقَّ دين الله، وإنَّ الشرع الذي أتيت به يبقى أبد الدهر، وكتابي يُمْلَى إلى قيام الساعة فقالوا : ليس كذلك إنما هو شاعر والذي يذكره شعر ولا ناصر له وسيصيبه من بعض آلهتنا الهَلاَك فنتربص به ذلك. وَرَيْبُ المَنُون : هو اسم للموت فَعُولٌ من المَنِّ، وهو القطع.
ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يكون المراد أنه إذا كان شاعراً فصروف الزمان ربما تضعف ذِهْنَهُ وتُورثُ وَهَنَهُ فيتبين لكل أحد فساد أمره وكساد شعره.
١ التبيان ١١٨٤..
٢ قراءة شاذة ذكرها صاحب البحر ٨/١٥١ والكشاف ٤/٢٥..
٣ من الطويل وجيء به على أن "ريب المنون" معناه حوادث الدهر كما أوضح أعلى. وانظر القرطبي ١٧/٧٢ وفتح القدير ٥/٩٩ وروح المعاني ١٧/٣٦ ومجمع البيان ٩/٢٥٣ وقد روي عجزه: سيهلك عنها بلعها أو سيجنح..
٤ من الكامل لأبي ذؤيب، وشاهده كالبيت السابق. وانظر القرطبي ١٧/٧٢ والبحر ٨/١٥١ والكشاف ٤/٢٥ وشرح شواهده ٥/٤٤٢..
٥ الآية ٣ من القلم، و٢٥ من الانشقاق، و٦ من التين، و٨ من فصّلت..
٦ وانظر المفردات للراغب ٤٧٤..
٧ الكشاف ٤/٢٥..
٢ قراءة شاذة ذكرها صاحب البحر ٨/١٥١ والكشاف ٤/٢٥..
٣ من الطويل وجيء به على أن "ريب المنون" معناه حوادث الدهر كما أوضح أعلى. وانظر القرطبي ١٧/٧٢ وفتح القدير ٥/٩٩ وروح المعاني ١٧/٣٦ ومجمع البيان ٩/٢٥٣ وقد روي عجزه: سيهلك عنها بلعها أو سيجنح..
٤ من الكامل لأبي ذؤيب، وشاهده كالبيت السابق. وانظر القرطبي ١٧/٧٢ والبحر ٨/١٥١ والكشاف ٤/٢٥ وشرح شواهده ٥/٤٤٢..
٥ الآية ٣ من القلم، و٢٥ من الانشقاق، و٦ من التين، و٨ من فصّلت..
٦ وانظر المفردات للراغب ٤٧٤..
٧ الكشاف ٤/٢٥..