التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم صرح - سبحانه - بلعنهم فى الدارين فقال :﴿وَأُتْبِعُواْ فِي هذه لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة﴾..
أى : إن اللعنة والفضيحة لحقت بهم، واتبعتهم فى الدنيا وفى الأخرى، كما قال - تعالى - فى آية أخرى :﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ المقبوحين﴾ وجملة ﴿بِئْسَ الرفد المرفود﴾ مستأنفة لإِنشاء ذم اللعنة، والمخصوص بالذم محذوف دل عليه ذكر اللعنة، أى بئس الرفد هى.
الرفد العطاء والعون يقال رفد فلان فلانا يرفده رفدا أى أعطاه وأعانه على قضاء مصالحه، أى : بئس العطاء المعطى لهم تلك اللعنة المضاعفة التى لابستهم فى الدنيا والآخرة.
وسميت اللعنة رفدا على سبيل التهكم بهم، كما فى قول القائل : تحية بينهم ضرب وجيع. فكأنه - سبحانه - يقول : هذه اللعنة هى العطاء المعى من فرعون لأتباعه الذين كانوا من خلفه كقطيع الأغنام الذى يسير خلف قائده بدون تفكر أو تدبر...
وبئس العطاء عطاؤه لهم...
وإلى هنا تكون هذه السورة الكريمة قد حدثتنا عن قصة نوح مع قومه، وعن قصة هود مع قومه، وعن قصة صالح مع قومه، وعن قصة إبراهيم مع الملائكة، وعن قصة لوط مع قومه ومع الملائكة، وعن قصة شعيب مع قومه، وعن قصة موسى مع فرعون وملئه.
ويلاحظ أن السورة الكريمة قد ساقت لنا تلك القصص حسب ترتيبها التاريخى والزمنى، لأهداف من أهمها :
١ - إبراز وحدة العقيدة فى دعوة الأنبياء جميعا، فكل نبى قد قال لقومه : اعبدوا اله مالكم من إله غيره... ثم يسوق لهم الأدلة على صدقه فيما بلغه عن ربه.
٢ - إبراز أن الناس فى كل زمان ومكان فيهم الأخيار الذين يتبعون الرسل، وفيهم الأشرار الذين يحاربون الحق...
٣ - بيان العاقبة الحسنة التى انتهى إليها المؤمنون بسبب إيمانهم وصدقهم وعملهم الصالح... والعاقبة السيئة التى انتهى إليها الكافرون بسبب كفرهم وإعراضهم عن الحق...
قال - تعالى - ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى