اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿واستفتحوا﴾ العامة على " اسْتفْتَحُوا " فعلاً ماضياً، وفي ضميره أقوال :
أحدها : أنه عائد على الرًّسلِ الكرام، ومعنى الاستفتاح : الاستنصار كقوله :﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الفتح﴾ [الأنفال: ١٩].
وقيل : طلب الحكم من الفتاحة، وهي الحكومة، كقوله تعالى :﴿رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين﴾ [الأعراف: ٨٩].
الثاني : أن يعود على الكفار، أي أستفتح أمم الرسل عليهم ؛ كقوله تعالى :﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السماء﴾ [الأنفال: ٣٢] وقيل : عائد على الفريقين ؛ لأن كلاَّ طلب النصر على صاحبه.
وقيل : يعود على قريش ؛ لأنهم في سني الجدب استمطروا فلم يمطروا، وهو على هذا مستأنف، وأما على غيره من الأقوال فهو عطف على قوله :" فأوحى إليهم ".
وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن رضي الله عنهم " واستفتحوا " على لفظ الأمر أمراً للرسل بطلب النصرة، وهي تقوية لعوده في المشهورة على الرسل، والتقدير : قال لهم : لنهلكن، وقال لهم : استفتحوا.
قوله :" وخاب " هو في قراءة العامة عطف على محذوف، وتقديره : استفتحوا، فنصروا، وخاب، ويجوز أن يكون عطفاً على " استفتحوا " على أن الضمير فيه للكفار، وفي غيرها على القول المحذوف وقد تقدم أنه يعطف الطلب على الخبر وبالعكس.
إن قلنا : المستفتحون الرسل عليهم الصلاة والسلام، فنصروا وظفروا، وهو قول مجاهد وقتادة، وذلك أنهم لما أيسوا من إيمان قومهم استنصروا الله، ودعوا على قومهم بالعذاب، كما قال نوح -صلوات الله عليه- :﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦].
وإن قلنا : المستفتحون الكفرة كان المعنى أن الكفار استفتحوا على الرسل ظنًّا منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل، وذلك أنههم قالوا :" اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا " نظيره :﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. " وخَابَ " ما أفلح. وقيل : خسر. وقيل : هلك كل جبّار عنيد. والجبَّارُ الذي لا يرى فوقه أحداً، والجبريةُ طلب العلوْ بما لا غاية وراءه، وهذا الوصف لا يكون إلا الله -عزَّ وجلَّ-.
وقيل : الجبَّار الذي يجبر الخلق على مراده، والجبَّار هنا : المتكبر على طاعة الله -سبحانه وتعالى- وعبادته، ومنه قوله تعالى :﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً﴾ [مريم: ١٤].
قال أبو عبيدة :" الأجْبَر يقال فيه جبريّة، وجَبرُوَّة، وجَبرُوت ".
وحكى الزجاج :" الجِبْرُ، والجِبْرِية، والجِبَّارة، الجِبْرِيَاءُ ".
قال الواحديُّ :" فهذه سبع لغات في مصدر الجبَّار، ومنه الحديث : أن امرأة حضرت النبي ﷺ فأمَرهَا بِأمْرٍ فأبتْ عليْهِ، فقال -عليه الصلاة والسلام- :" دَعُوهَا فإنَّها جَبَّارةٌ " أي : مستكبرة " (١)، وأمَّا العنيد فقال أهلُ اللغة في اشتقاقه :
قال البصريون : أصل العُنُود : الخلاف، والتباعد، والترك.
وقال غيرهم : أصله من العَنْد وهو النَّاحية، يقال : هو يمشي عنداً، أي : ناحية فهو المُعانِدُ للحق بجانبه، قاله مجاهد(٢).
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنه : هو المعرض عن الحق(٣). وقال مقاتلٌ : هو المتكبّر(٤) وقال قتادة : العَنِيدُ الذي أبى أن يقال : لا إلهَ إلاَّ الله(٥).
١ أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٦/٢٩١) وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/١٠٤) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وأبو يعلى وفيه يحيى الحماني ضعفه أحمد ورماه بالكذب.
وذكره أيضا الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٣/١٨٩)، رقم (٣٢١٥) وعزاه إلى أبي يعلى.
والحديث في "كنز العمال" (٤٥١٠٢) وعزاه إلى أبي يعلى عن أنس والشيرازي في الألقاب عن أبي هريرة.
.

٢ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٢٩)..
٣ ينظر: المصدر السابق..
٤ ينظر: المصدر السابق..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٤٢٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/١٣٧) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى