زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مُهْطِعِينَ﴾ فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أن الإهطاع : النظر من غير أن يطرف الناظر. رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والضحاك، وأبو الضحى.
والثاني : أنه الإسراع، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وأبو عبيدة. وقال ابن قتيبة : يقال : أهطع البعير في سيره، واستهطع : إذا أسرع.
وفي ما أسرعوا إليه قولان : أحدهما : إلى الداعي، قاله قتادة. والثاني : إلى النار، قاله مقاتل.
والثالث : أن المهطع : الذي لا يرفع رأسه، قاله ابن زيد.
وفي قوله :﴿مُقْنِعِي رُؤُوسَهُمْ﴾ قولان :
أحدهما : رافعي رؤوسهم، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وأبو عبيدة، وأنشد أبو عبيدة :
أنغض نحوي رأسه وأقنعاكأنما أبصر شيئا أطعما
وقال ابن قتيبة : المقنع رأسه : الذي رفعه وأقبل بطرفه على ما بين يديه. وقال الزجاج : رافعي رؤوسهم، ملتصقة بأعناقهم. و﴿مهطعين مقنعي رؤوسهم﴾ نصب على الحال، المعنى : ليوم تشخص فيه أبصارهم مهطعين.
والثاني : ناكسي رؤوسهم، حكاه الماوردي عن المؤرج.
قوله تعالى :﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي : لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر، فهي شاخصة. قال ابن قتيبة : والمعنى : أن نظرهم إلى شيء واحد. وقال الحسن : وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحد إلى أحد.
قوله تعالى :﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ الأفئدة : مساكن القلوب.
وفي معنى الكلام أربعة أقوال :
أحدها : أن القلوب خرجت من مواضعها فصارت في الحناجر، رواه عطاء عن ابن عباس. وقال قتادة : خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم، فأفئدتهم هواء ليس فيها شيء.
والثاني : وأفئدتهم ليس فيها شيء من الخير، فهي كالخربة، رواه العوفي عن ابن عباس.
والثالث : وأفئدتهم منخرقة لا تعي شيئا، قاله مرة بن شراحيل. وقال الزجاج : متخرقة لا تعي شيئا من الخوف.
والرابع : وأفئدتهم جوف لا عقول لها، قاله أبو عبيدة، وأنشد لحسان :
ألا أبلغ أبا سفيان عنيفأنت مجوف نخب هواء
فعلى هذا يكون المعنى : أن قلوبهم خلت عن العقول، لما رأوا من الهول. والعرب تسمي كل أجوف خاو : هواء. قال ابن قتيبة : ويقال : أفئدتهم منخوبة من الخوف والجبن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى