تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٤٣ :﴿مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء﴾ قال بعضهم : هذا كله يرجع إلى الطرف والبصر ؛ يقولون : شاخصة أبصارهم ﴿مهطعين﴾ ناظرين إليه إلى الداعي ﴿مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم﴾ لهول ذلك اليوم، هذا كله، يصرفونه(١) إلى الأبصار دون الأنفس(٢) لأن الإهطاع والإقناع، هو النظر، والشخوص والإبصار.
ومنهم من صرف قوله :﴿تشخص فيه الأبصار﴾ وقوله(٣) :﴿لا يرتد إليهم طرفهم﴾ إلى البصر، وصرف قوله :﴿مهطعين مقنعي رؤوسهم﴾ إلى الأنفس، وهو ما ذكر في موضع آخر :﴿مهطعين إلى الداع﴾ ( القمر : ٨ ) أي مسرعين إليه الإجابة رجاء التخلص والنجاة عما حل بهم بترك الإجابة. والإهطاع : قيل : هو النظر الدائم، والإقناع هو الرفع رفع الرأس ﴿مهطعين﴾ أي مديمي النظر ﴿مقنعي رؤوسهم﴾ رافعيها. وعلى تأويل بعضهم : مسرعين على ما ذكرنا.
وقال بعضهم :﴿مقنعي رؤوسهم﴾ أي رافعيها، ملتزقة إلى أعناقهم.
وقوله تعالى :﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون﴾ يخرج على وجهين :
أحدهما : يقول :﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمله الظالمون﴾ وقت خلقه الخلق وإنشائهم عما يكون(٤) منهم من الظلم، أي لا عن غفلة وسهو عن ظلم الظالمين أنشأهم، وخلقهم، ولكن على علم بما يكون منهم أنشأهم، وخلقهم، لكن أنشأهم على علم منه ذلك عن الحكمة.
والثاني : ما ذكرنا أن تأخيره العذاب عنهم، ليس لغفلة منه بذلك، ولكن لما أخذهم بالعذاب وقت صنيعهم زوال المحنة، لأنه يصير العذاب والثواب مشاهدة.
وقوله تعالى :﴿وأفئدتهم هواء﴾ خالية لهول ذلك اليوم، أي خالية عن التدبير، لأن في الشاهد أن من بلي ببلايا وشدائد يتدبر، ويتفكر في دفع ذلك. فيخبر أن أفئدتهم هواء يومئذ أي خالية عن التدبير ؛ إذ أفئدتهم، لا تكون معهم لشدة أهواله.
وقال بعضهم :﴿وأفئدتهم هواء﴾ أي لا شيء فيها، ما ينتفعون بها. والهواء هو كل شيء يوصف بالخلاء(٥) من كل شيء، والله أعلم.
١ في الأصل وم: يصرفون..
٢ في الأصل وم: النفس..
٣ في الأصل وم: و..
٤ في الأصل وم: يكونوا..
٥ في الأصل وم: بالخلاص..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى