ﮮﮯﮰﮱﯓ

وهنا توضح الآية الكريمة أنهم إن كانوا مشغولين بأمر الغير من الكافرين فهذا يعني أنهم طمعوا في إيمان العدو؛ لعل هذا العدو يعود إلى رشد الإيمان.
ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
وهم أرادوا إيمان العدو رغم أنه ظالم.
وهكذا يعلّم الحق سبحانه وتعالى الخلق أنه من حُمْق العداوة أن يدعو الإنسان على عدوِّه بالشر؛ لأن الذي يتعبك من عدوك هو شرُّه، ومن صالحك أن تدعو له بالخير؛ لأن هذا الخير سيتعدى إليك.

صفحة رقم 6156

وعلى المؤمن أن يدعو لعدوِّه بالهداية، لأنه حين يهتدي؛ فلسوف يتعدَّى لانفع إليك، وهذه من مميزات الإيمان أن نفعه يتعدَّى إلى الغَيْر.
وهم حين دعوا ألاَّ يجعلهم الله فتنةً للقوم الظالمين، فإن ذلك يوضّح لنا أن الظلم درجاتٌ، وأن فرعون وملأه كانوا في قمة الظلم؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو القائل:
إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣].
فقمة الظلم أن تأخذ حَقَّ الغير وتعطيه لغير صاحب الحق. وفرعون وملؤه أشركوا بالله سبحانه وتعالى فظن فرعون أنه إله، وصدَّقه من حوله.
فقمة الظلم هو الشرك بالله سبحانه، ثم بعد ذلك يتنزل إلى الظلم في الكبائر، ثم في الصغائر.
وقولهم في دعائهم للحق سبحانه:
وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين [يونس: ٨٦].
أي: اجعلنا بنجوةٍ من هؤلاء.
وكان الذي يخيف الأقدمين هو سيول المياه، حين تتدفَّق، ولا ينجو إلا مَنْ كان في ربوةٍ عالية والنجوة هي المكان المرتفع وهذا هو أصل كلمة «النجاة».
وهنا يقول الحق سبحانه على لسانهم:
وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين [يونس: ٨٦].

صفحة رقم 6157

والرحمة هي الوقاية من أن يجيء الداء.
والحق سبحانه يقول:
وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ [الإسراء: ٨٢].
والشفاء إذا وُجد الدَّاء، والرحمة هي ألاَّ يجيء الداء.
وأراد الحق سبحانه أن يكرم بعد ذلك موسى عليه السلام وقومه فقال سبحانه وتعالى: وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى وَأَخِيهِ

صفحة رقم 6158

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

محمد متولي الشعراوي

الناشر مطابع أخبار اليوم
سنة النشر 1991
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية