ﮮﮯﮰﮱﯓ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ونجينا برحمتك من القوم الكافرين( ٨٦ ) :
وهنا توضح الآية الكريمة أنهم إن كانوا مشغولين بأمر الغير من الكافرين فهذا يعني أنهم طمعوا في إيمان العدو ؛ لعل هذا العدو يعود إلى رشد الإيمان.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ( (١) ).
وهم أرادوا لإيمان العدو رغم أنه ظالم.
وهكذا يعلم الحق-سبحانه وتعالى-الخلق أنه من حمق العداوة أن يدعو الإنسان على عدوّه بالشر ؛ لأن الذي يتعبك من عدوك هو شرُّه، ومن صالحك أن تدعو له بالخير ؛ لأن هذا الخير سيتعدى إليك.
وعلى المؤمن أن يدعو لعدوه بالهداية، لأنه حين يهتدي ؛ فلسوف يتعدى النفع إليك، وهذه من مميزات الإيمان أن نفعه يتعدى إلى الغير.
وهم حين دعوا ألا يجعلهم الله فتنة للقوم الظالمين، فإن ذلك يوضح لنا أن الظلم درجات، وأن فرعون وملأه كانوا في قمة الظلم ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هم القائل : .. إن الشرك لظلم عظيم( ١٣ ) [ لقمان ] : فقمة الظلم أن تأخذ حق الغير وتعطيه لغير صاحب الحق. وفرعون وملؤه أشركوا بالله-سبحانه وتعالى-فظن فرعون أنه إله، وصدقه من حوله.
فقمة الظلم هو الشرك بالله سبحانه، ثم بعد ذلك يتنزل إلى الظلم في الكبائر، ثم في الصغائر.
وقولهم في دعائهم للحق سبحانه : ونجنا برحمتك من القوم الكافرين( ٨٦ ) [ يونس ] : أي : اجعلنا بنجوة( (٢) ) من هؤلاء.
وكان الذي يخيف الأقدمين هو سيول المياه، حين تتدفق، ولا ينجو إلا من كان في ربوة عالية- والنجوة هي المكان المرتفع-وهذا هو أصل كلمة " النجاة ".
وهنا يقول الحق سبحانه على لسانهم : ونجنا برحمتك من القوم الكافرين( ٨٦ ) [ يونس ] : والرحمة هي الوقاية من أن يجيء الداء. والحق سبحانه يقول : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة.. ( ٨٢ ) [ الإسراء ] : والشفاء إذا وجد الداء، والرحمة هي ألا يجيء الداء.

١ متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه(١٣)، ومسلم في صحيحه (٤٥) كتاب الإيمان عن أنس بن مالك بلفظ:"والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره-أو قال: لأخيه-ما يحب لنفسه"..
٢ النجوة: المرتفع من الأرض. ويقال: هو بنجوة من هذا الأمر: بعيد عنه بريء سالم.[المعجم الوسيط: مادة (ن ج و)]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير