ﯘﯙ

وقوله تعالى : فالمغيرات صُبْحاً ، والإغارة : سرعة السير، وهم يدفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى «منى ».
فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً يعني «مزدلفة »، لأنها تسمى بجمع، لاجتماع الحاجِّ بها، وعلى هذا التقدير، فوجه القسم بها ما تقدم ذكره من المنافع الكثيرة في قوله تعالى : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ [ الغاشية : ١٧ ].
وأيضاً : الغرض بذكر إبل الحج : الترغيب في الحج، فإن الكنود : هو الكفور، والذي لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك، كما في قوله تعالى : وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين [ آل عمران : ٩٧ ].
ومن قال : هي الخيل، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعطاء، وأكثر المحققين، قال : إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى أناس من بني كنانة، فأبطأ عليه خبرها، وكان استعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فقال المنافقون : إنهم قُتلوا، فنزلت هذه السورة إخباراً للنبي صلى الله عليه وسلم بسلامتها، وبشارة له بإغارتها على القوم، فالمراد : الخيل التي يغزوا١ عليها المؤمنون.
وفي الخبر :«مَنْ لمْ يَعرفْ حُرمَةَ فرسِ الغَازي، ففيهِ شُعبةٌ مِنَ النِّفاقِ »، وعلى هذا القول، فالسورة مدنية ؛ لأن الإذن في القتال إنما كان ب «المدينة ».
قوله : فالموريات قَدْحاً ، قال عكرمة وعطاء والضحاك : هي الخيلُ حين توري النار بحوافرها وهي سنابكها٢.
و «قَدْحاً » يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً ؛ لأن الإيراء من القدح، يقال : قدح فأورى، وقدح فأصلد.
ويجوز أن يكون حالاً، فالمعنى :«قادحات »، أي : ضابحات بحوافرها ما توري النار، ويقال : قدحت الحجر بالحجر، أي : صككته به.
وقال الزمخشريُّ٣ : انتصب «قدحاً » بما انتصب به «ضبحاً »، وكأنه جوّز في نصبه ثلاثة أوجه : النصب بإضمار فعله، والنصب باسم الفاعل قبله لأنه ملازمه، والنصب على الحال، وتسمى تلك النار التي تخرج من الحوافر : نار الحباحب.
قال :[ الطويل ]

٥٢٧١- تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجهُ وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُباحِبِ٤

فصل في معنى الموريات


روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أورت بحوافرها غباراً٥، وهذا يخالف سائر ما روي عنه في قدحِ النارِ، وإنما هذا في الإبل، [ وروى ابن نجيح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى : فالموريات قَدْحاً قال : هي في القتال. وهو في الحج، قاله ابن مسعود، هي الإبل تطأ الحصى فيخرج منه النار٦ ]٧.
وأصل القدح : الاستخراج، ومنه قدحت العين : إذا أخرجت منها الماء الفاسد، واقتدحت بالزّند، واقتدحت المرق : غرفته. ورَكيٌّ قدوح : يغرف باليد.
والقديح : ما يبقى في أسفل القدر، فيغرف بجهد، والمقدحة : ما تقدح به النار.
والقداحة والقداح : الحجر الذي يُورِي النار.
يقال : وَرَى الزند - بالفتح - يري ورْياً : إذا خرجت ناره، وفيه لغة أخرى، ورِي الزند - بالكسر - يرى فيهما، وقد مضى في سورة «الواقعة ».
وقيل : هذه الآيات في الخيل، ولكن إيراءها : أن تهيج الحرب بين أصحابها، وبين عدوهم. ويقال للحرب إذا التحمت : حَمِيَ الوطيس، ومنه قوله تعالى : كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله [ المائدة : ٦٤ ].
قال ابن عباس : المراد ب فالموريات قَدْحاً مكر الرجال في الحرب٨، وقاله مجاهد وزيد بن أسلم : والعربُ يقولون إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه : والله لأمكرن بك، ثم لأورين لك.
وعن ابن عباس أيضاً : هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل، لحاجتهم وطعامهم٩.
وعنه أيضاً أنها نيران المجاهدين إذا كثرت نارها إرهاباً، ليظنها العدو كثيراً.
وقيل : هي أفكار الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به، ويظهر بها من إقامة الحججِ، وإقامةِ الدَّلائلِ، وإيضاح الحق، وإبطال الباطلِ.
قال القرطبي١٠ : هذه الأقوال مجاز، ومنه قولهم : فلان يُوري زناد الضلالة، والأول : الحقيقة، وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النَّار بحوافرها.
قال مقاتل : العرب تسمي تلك النَّار نار أبي حُبَاحب، وكان أبو حباحب شيخاً من مضر في الجاهلية، من أبخل الناس، وكان لا يُوقد نار الخبز ولا غيره حتى تنام العيون، فيوقد نُويْرَة تقد مرة، وتخمد أخرى، فإن استيقظ لها أحد أطفأها، كراهية أن ينتفع بها أحدٌ، فشبهت هذه النار بناره ؛ لأنه لا ينتفع بها.
وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت ناراً فكذلك يسمونها.
قال النابغة :[ الطويل ]
٥٢٧٢- ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلولٌ من قِرَاعِ الكَتائبِ
تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعفَ نَسْجهُ وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُبَاحِبِ١١
قوله : فالمغيرات صُبْحاً ظرف ؛ أي : التي تغير وقت الصبح، يقال : أغار يغير إغارة وغارةً : إذا باغت عدواً نهباً وقتلاً وأسراً ؛ قال :[ البسيط ]
٥٢٧٣- فَليْتَ لِي بِهمُ قَوماً إذَا رَكِبُوا شَنُّوا الإغَارَة فُرْسَاناً ورُكْبَانَا١٢
وأغار وغار أيضاً : نزل الغور، وهو المنهبط من الأرض.
١ في ب: يعدو..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٦٧ -٦٦٨)، عن عكرمة وعطاء والضحاك وقتادة..
٣ ينظر: الكشاف ٤/٧٨٧..
٤ البيت للنابغة ينظر ديوانه (١١)، وابن الشجري ٢/٥٨، والإيضاح الشعري ص ٥٧٤، ومجمع البيان ١٠/٨٠٢، والمعاني الكبير ص ١٠٨٠، واللسان (سلق)، (حبحب). والدر المصون ٦/٥٥٨..
٥ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/١٠٧)..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٦٦)، عن ابن مسعود..
٧ سقط من: ب..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٦٨)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٥٢)، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٦٨)، عن ابن عباس..
١٠ الجامع لأحكام القرآن ٢٠/١٠٧..
١١ تقدم..
١٢ تقدم..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية