ولا أنتم عابدون ما أعبد أي ولا أنتم في الحال بعابدين معبودي. وقيل : يحتمل أن يكون الأول للحال، والثاني للاستقبال. وقيل : يصلح كل واحد منهما أن يكون للحال، والاستقبال، ولكن يختص أحدهما بالحال والثاني للاستقبال ؛ لأنه أخبر أولاً عن الحال، ثم أخبر ثانياً عن الاستقبال، فيكون المعنى : لا أعبد ما تعبدون في الحال، ولا أنتم عابدون ما أعبد في الاستقبال. و( ما ) بمعنى ( من )، أي من أعبد، ويحتمل أن تكون بمعنى الذي، أي الذي أعبد.
القول الثاني : حصول التكرار في الآية، وعلى هذا القول يقال : إن التكرار يفيد التّوكيد، وكلما كانت الحاجة إلى التّوكيد أشد كان التكرار أحسن، ولا موضع أحوج إلى التوكيد من هذا الموضع ؛ لأن الكفار راجعوا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى مراراً، فحسن التوكيد، والتكرار في هذا الموضع ؛ لأن القرآن نزل بلسان العرب وعلى مجاري خطابهم، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التّوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التّخفيف، والإيجاز، وقيل : تكرار الكلام لتكرار الوقت، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن سرك أن ندخل في دينك عاماً، فادخل في ديننا عاماً، فنزلت هذا السّورة جواباً لهم على قولهم.
لباب التأويل في معاني التنزيل
أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي