أي : أن الأخذ الذي أخذ به الله القرى الكافرة، إنما هو مثل حي لكل من يكفر.
والحق سبحانه يقول :
والفجر ( ١ ) وليال عشر ( ٢ ) والشفع والوتر ( ٣ ) والليل إذا يسر ( ٤ ) هل في ذلك قسم لذي حجر١ ( ٥ ) [ الفجر ] : أي : أن الحق سبحانه يقسم لعل كل صاحب عقل يستوعب ضرورة الإيمان، ويضرب الأمثلة بالقوم الذين جاءهم الأخذ بالعذاب، فيقول سبحانه : ألم تر كيف فعل ربك بعاد ( ٦ ) إرم ذات العماد ( ٧ ) التي لم يخلق مثلها في البلاد ( ٨ ) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ( ٩ ) وفرعون ذي الأوتاد ( ١٠ ) الذين طغوا في البلاد ( ١١ ) فأكثروا فيها الفساد ( ١٢ ) فصب عليهم ربك سوط عذاب ( ١٣ ) إن ربك لبالمرصاد٢ ( ١٤ ) [ الفجر ] : فهو سبحانه قد أخذ كل هؤلاء أخذ العزيز المقتدر.
وقوله سبحانه هنا : وكذلك.. ( ١٠٢ ) [ هود ] : أي : مثل الأخذ الذي أخذت به القرى التي كذبت رسلها، فظلمت نفسها.
والأخذ هنا عقاب على العمل، بدليل أنه أنجى شعيبا عليه السلام وأخذ قومه بسبب ظلمهم، فالذات الإنسانية بريئة، ولكن الفعل هو الذي يستحق العقاب.
ومثال ذلك : نجده في قصة نوح عليه السلام حين قال له الحق سبحانه : إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.. ( ٤٦ ) [ هود ] : فالذي وضع ابن نوح في هذا الموضع هو أن عمله غير صالح ؛ لذلك فلا يقولن نوح : إنه ابني فليس الإهلاك بعلّة الذات والدم والقرابة، بل الإهلاك بعلّة العمل، فأنت لا تكره شخصا يشرب الخمر لذاته، وإنما تكرهه لعمله، ونحن نعلم أن البنوة للأنبياء ليست بنوة الذوات، وإنما بنوة الأعمال.
وكذلك نجد الحق سبحانه ينبه إبراهيم عليه السلام ألا يدعو لكل ذريته، فحين كرم الحق سبحانه إبراهيم عليه السلام وقال : إني جاعلك للناس إماما٣.. ( ١٢٤ ) [ البقرة ].
جاء الطلب والدعاء من إبراهيم عليه السلام لله تعالى ومن ذريتي٤.. ( ١٢٤ ) [ البقرة ] : لأن إبراهيم عليه السلام أراد أن تمتد الإمامة إلى ذريته أيضا، فجاء الرد من الله سبحانه : .. لا ينال عهدي الظالمين ( ١٢٤ ) [ البقرة ] : وظلت هذه القضية في بؤرة شعور إبراهيم عليه السلام، وعلم تماما أن البنوة للأنبياء ليست بنوة ذوات، بل هي بنوة أعمال.
ولذلك نجد دعاء إبراهيم عليه السلام حين نزل بأهله في واد غير ذي زرع، وقال : ب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات... ( ١٢٦ ) [ البقرة ].
وهنا انتبه إبراهيم عليه السلام وأضاف : من آمن منهم... ( ١٢٦ ) [ البقرة ].
فجاء الرد من الحق سبحانه موضحا خطأ القياس ؛ لأن الرزق عطاء ربوبية يستوي فيه المؤمن والكافر، والطائع والعاصي ؛ فلا تخلط بين عطاء الربوبية٥ وعطاء الألوهية تكليف، وعطاء الربوبية رزق، لذلك قال الحق سبحانه : .. ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ( ١٢٦ ) [ البقرة ].
فأنت يا إبراهيم دعوت برزق الأهل بالثمرات لمن آمن، لأن بؤرة شعورك تعي الدرس، لكن هناك فرقا بين عطاء الألوهية في التكليف، وعطاء الربوبية في الرزق، فمن كفر سيرزقه ربه، ويمتعه قليلا ثم يكون له حساب آخر.
إذن : فأخذ الحق سبحانه للظالمين بكفرهم هو عنف التناول لمخالف، وتختلف قوة الأخذ بقوة الآخذ، فإذا كان الآخذ هو الله سبحانه، فهو أخذ عزيز مقتدر.
وهو أخذ لمن ظلموا أنفسهم بقمة الظلم وهو الكفر، وإن كان الظلم لحقوق الآخرين فهو فسق، وأيضا ظلم النفس فسق ؛ لأن الحق سبحانه حين يحرم عليك أن تظلم غيرك فهو قد حرم عليك أيضا ظلم نفسك ويصف الحق سبحانه أخذه للظالمين بقوله : .. إن أخذه أليم شديد ( ١٠٢ ) [ هود ] : أي : أن أخذه موجع على قدر طلاقة قدرته سبحانه.
وهب أن إنسانا أساء إلى إنسان، فالحق سبحانه أعطى هذا الإنسان أن يرد السيئة بسيئة، حتى لا تتراكم الانفعالات وتزداد.
لذلك يقول الحق سبحانه : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم٦ به.. [ النحل ] : حتى لا تبيت انفعالاتك عندك قهرا، ولكن من كان لديه قوة ضبط النزوع فعليه أن ينظر في قول الحق سبحانه : والكاظمين الغيظ٧.. ( ١٣٤ ) { آل عمران ].
إذن : فإما أن ترد السيئة بعقاب مماثل لها، وإما أن تكظم غيظك، أي : لا تُترجم غيظك إلى عمل نزوعي، وإما أن ترتقي إلى الدرجة الأعلى وهي أن تعفوا ؛ لأن الله تعالى يحب من يحسن بالعفو٨.
ولذلك حين سألوا الحسن البصري : كيف يحسن الإنسان إلى من أساء إليه ؟
أجاب : إذا أساء إليك عبد، ألا يغضب ذلك ربه منه ؟ قالوا : نعم قال : وحين يغضب الله من الذي أساء إليك ؛ ألا يقف إلى جانبك ؟ أفلا تحسن إلى من جعل الله يقف إلى جانبك ؟
ولهذا السبب يروى عن أحد الصالحين٩ أنه سمع أن شخصا اغتابه ؛ فأهدى إليه-مع خادمه- طبقا من بواكير١٠ الرطب، وتعجب الخادم متسائلا : لماذا تهديه الرطب وقد اغتابك ؟
قال العارف بالله : بلغه شكري وامتناني لأنه تصدق علي بحسناته عندما اغتباني، وحسناته –بلا شك- أنفس من هذا الرطب.
ولذلك يقال : إن الذي يعفو أذكى فهما ممن عاقب، لأن الذي يعاقب إنما يعاقب بقوته ؛ والذي يعفو فهو الذي يترك العقاب لقوة الله تعالى، وهي قوة لا متناهية.
وهكذا نفهم قول الحق سبحانه : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى١١ وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ( ١٠٢ ) [ هود ].
أي : أخذ موجع على قدر قوة الله سبحانه ؛ وهو أخذ شديد ؛ لأن الشدة تعني : جمع الشيء إلى الشيء بحيث يصعب انفكاكه ؛ أو أن تجمع شيئين معا وتقبضهما بحيث يصعب تحلل أي منهما عن الآخر. وهذه أقوى غاية القوة.
وليسا عشر: العشر الأول من ذي الحجة.
والشفع والوتر: يوم النحر، ويوم عرفة.
والليل إذا يسر: إذا يمضي ويذهب أو يسار فيه.
هل في ذلك: أي: في المذكور الذي أقسمناه به.
قسم لذي حجر؟: مقسم به حقيق بالتعظيم لدى العقلاء -نعم- (وجواب القسم(لنعذبن الكافرين) [كلمات القرآن] للشيخ حسنين محمد مخلوف..
٢ - بعاد: قوم هود، سموا باسم أبيهم.
إرم: هو اسم جدهم وبه سميت القبيلة.
ذات العماد: الشدة، أو الأبنية الرفيعة المحكمة بالعمد.
جابوا الصخر: قطعوه ونحتوا فيه بيوتهم.
ذي الأوتاد: الجيوش الكثيرة التي تشد ملكه.
سوط عذاب: عذابا شديدا مؤلما دائما.
إن ربك لبالمرصاد: يرقب أعمالهم ويجازيهم عليها. [كلمات القرآن]..
٣ - قوله تعالى: إني جاعلك للناس إماما...(١٢٤) [البقرة] أي: قدوة يقتدي به الناس، ويقول تعالى: يوم ندعو كل أناس بإمامهم..(٧١) [الإسراء] أي: برسولهم فيقال: يا أتباع إبراهيم، وأمة موسى، ويا أمة محمد –أو بكتابهم، فيقال: يا أمة التوراة، ويا أمة الإنجيل، ويا أمة القرآن [القاموس القويم ١/ ٣٣]..
٤ - الذرية: للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث من نسل الإنسان. قال تعالى: وله ذرية ضعفاء..(٢٦٦) [البقرة] وقال تعالى: ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب..(٢٦) [الحديد] وقال تعالى: .. وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (٣٦) [آل عمران] وقال تعالى: ومن ذريتنا أمة مسلمة لك..(١٢٨) [البقرة] وقال تعالى: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين (٧٤) [الفرقان] بالجمع، وقال تعالى: ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم..(٨٧) [الأنعام] بالجمع، ورسمت بغير ألف في المصحف، وقال تعالى: وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (١٢٤) [البقرة]. [القاموس القويم ١/٢٤٢] بتصرف..
٥ - عطاء الربوبية عام، وعطاء الألوهية خاص، فالعطاء العام لكل مخلوق، والعطاء الخاص لأهل التكليف عن الإيمان السخي واليقين النقي. من حكم الشيخ..
٦ - عاقبه عقابا: جازاه سوءا بما فعل، قال تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به..(١٢٦)[النحل] والعقاب والمعاقبة: إيقاع الجزاء على الذنب. قال تعالى: .. إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (٤٣) [فصلت].[القاموس القويم ٢/٢٩]..
٧ - الكاظمين الغيظ: الحابسين غيظهم في قلوبهم، [كلمات القرآن]، وكظم الغيظ: إمساكه وحبسه في النفس والصبر عليه. [القاموس القويم ٢/ ١٦٣]..
٨ - يقول الله سبحانه: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (١٣٣) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (١٣٤) [آل عمران].
ويقول الحق سبحانه أيضا: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (٣٤) [فصلت]..
٩ - هو الحسن البصري، روى أن رجلا قال له: إن فلانا قد اغتابك فبعث إليه رطبا على طبق وقال: قد بلغني أنك هديت إلي من حسناتك فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك على التمام. أورده الغزالي في الإحياء (٣/١٥٤)..
١٠ - البواكير: جمع باكور أو باكورة، وهي أول ما يدرك من الثمر، وهي أيضا المعجل من كل شيء [المعجم الوسيط: مادة [ب ك ر]] بتصرف..
١١ - القرى: حمع قرية وهي البلدة الكبيرة وتكون أقل من المدينة، أو هي كل مكان اتصلت به الأبنية. قال تعالى: واسأل القرية التي كنا فيها..(٨٢) [يوسف] أي: أهل القرية، مجاز مرسل علاقته المحلية. وكذلك قوله تعالى: وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم (١٣) [محمد] والمراد: أهلها أشد من أهل مكة الذين أخرجوك، وقوله تعالى: إذا أخذ القرى وهي ظالمة..(١٠٢) [هود] أي: أخذ أهلها وهم ظالمون. [القاموس القويم: مادة [ق ر ى]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي