إن في ذلك الذي نسرده عليك من قصص الأمم الدارسة، لآية ؛ لعبرة لمن خاف عذابَ الآخرة فيعتبر به ويتعظ ؛ لعلمه بأن ما حاق بهم أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة. وأما من أنكر الآخرة فلا ينفعه هذا الوعظ والتذكير ؛ لفساد قلبه، وموت روحه.
ذلك أي : يوم القيامة الذي وقع التخويف به، يوم مجموعٌ له الناسُ : محشورون إليه أينما كانوا. وعبَّر باسم المفعول دون الفعل ؛ للدلالة على الثبوت والاستقرار، ليكون أبلغ ؛ لأن " مجموع " أبلغ من " يجمع ". وذلك يوم مشهود أي : تشهده أهل السماوات وأهل الأرض ؛ لفصل القضاء، ويحضره الأولون والآخرون، لاقتضاء الثواب والعقاب. فاليوم مشهود فيه، فحذف الظرف اتساعاً. .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار ؛ لأنه يزهد في الدنيا الفانية، ويشوق إلى دار الباقية، ويرقق القلب، ويستدعي مخافة الرب، فلينظر الإنسان بعين الاعتبار في الأمم الخالية، والقرون الماضية، والأماكن الدارسة ؛ كيف رحل أهلها عن الدنيا أحوج ما كانوا إليها، وتركوها أحب ما كانت إليهم ؟ وفي بعض الخطب الوعظية : أين الفراعين المتكبرة، وأين جنودها المعسكرات ؟ أين الأكاسير المنكسرة ؟ وأين كنوزها المقنطرات ؟ أين ملكوك قيصر والروم ؟ وأين قصورها المشيدات ؟ أين ملوك عدن ؟ أهل الملابس والحيجان ؟ وأين ملوك اليمن، أهل العمائم والتيجان ؟ قد دارت عليهم ـ والله ـ الأقدار الدائرات، وجرت عليهم برياحها العاصفات، وأسكنتهم تحت أطباق الرجام المنكرات، وصيرت أجسامهم طعمة للديدان والحشرات، وأيمت منهم الزوجات، وأيتمت منهم البنين والبنات. أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهراً إلى القضاء وسلموا. فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من العمل الصالح رجعوا. وبالله التوفيق.