ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع١ له الناس وذلك يوم مشهود٢ ( ١٠٣ ) :
من يخاف عذاب الآخرة، فإن هذه الآيات التي تخبر عن الذي حدث للأمم السابقة، إنما تلفته إلى ضرورة الإيمان بأن الله سبحانه يحاسب كل إنسان على الإيمان وعلى العمل.
ومن يسمع لقصص الأقوام السابقة ؛ ويعتبر بما جاء فيها ؛ وينتفع بالخبرة التي جاءت منها ؛ فهو صاحب بصيرة نافذة ؛ فكل ما حدث للأقوام السابقة آيات ملفتة.
ولذلك يقال : " إن لكل آية مواليد ؛ هي العبر بالآيات " ومن لا يؤمن فهو لن يعتبر ؛ مصداقا لقول الحق سبحانه. وكأين٣ من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون٤ ( ١٠٥ ) [ يوسف ].
إذن : فقد شاء الحق سبحانه أن يلفتنا بالآيات لنعتبر بها ونكون من أولي الألباب٥ ؛ فلا تدخل في دائرة من لا يخافون العذاب ؛ أولئك الذين يتلقون العذاب خزيا في الدنيا وجحيما في الآخرة ؛ وعذاب الآخرة لا نهاية له ؛ والفضيحة فيه أمام كل الخلق.
لذلك قال الحق سبحانه : .. ذلك يوم مجموع له للناس وذلك يوم مشهود ( ١٠٣ ) [ هود ]. أي : أن الفضيحة في هذا اليوم تكون مشهودة من كل البشر ؛ من لدن آدم إلى آخر البشر ؛ لذلك تكون فضيحة مدوية أمام من يعرفهم الإنسان ؛ وأمام من لا يعرفهم.
وقول الحق سبحانه : ذلك يوم مجموع له الناس.. ( ١٠٣ ) [ هود ] : وكلمة " مجموع " تقتضي وجود " جامع " ؛ و " المجموع " يتناسب مع قدرة " الجامع " ؛ فما بالنا والجامع هو الحق الخالق لكل الخلق سبحانه وتعالى.
ولا يجتمع الخلق يومها عن غفلة ؛ بل يجتمعون وكلهم انتباه ؛ فالحق سبحانه يقول : .. إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ( ٤٢ ) [ إبراهيم ].
ويقول الحق سبحانه أيضا : واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا.. ( ٩٧ ) [ الأنبياء ].
وهنا يقول سبحانه : .. وذلك يوم مشهود ( ١٠٣ ) [ هود ] : أي : أن كل الخلق سيشهدون هذا الفضح المخزي لمن لم يعتبر بالآيات.

١ - مجموع: اسم مفعول من جمع. والأمر الجامع: الأمر العظيم الذي يجتمع الناس له. والجامع: اسم فاعل من جمع، وهو من أسماء الله الحسنى، قال تعالى: ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه..(٩) [آل عمران] وقال تعالى: وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه..(٦٢) [النور] [القاموس القويم. مادة [ج م ع ]]..
٢ - مشهود: اسم مفعول، قال تعالى: وذلك يوم مشهود (١٠٣) [هود] أي: حضره الناس، وشاهدوا هوله أو حضرته ملائكة العذاب، وقوله: إن قرآن الفجر كان مشهودا (٧٨) [الإسراء] أي: إن قرآن الفجر تشهده الملائكة وتسجل ثوابه، ومشهد: اسم مكان، واسم زمان ومصدر ميمي، كما في قوله تعالى: فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (٣٧) [مريم] [القاموس القويم: بتصرف ص ٣٥٩ جـ١]..
٣ - وكأين من آية.. (١٠٥) [يوسف]: أي: كم من آية. أو كثير من الآيات. [كلمات القرآن للشيخ حسنين مخلوف]..
٤ - معرضون: اسم فاعل من "أعرض" و أعرض عن الشيء: ولى منصرفا عنه غير راغب فيه. قال تعالى: وأعرض ونأى بجانبه..(٨٣) [الإسراء] [القاموس القويم: مادة [ع ر ض ]]..
٥ - الألباب: جمع لب. وهو العقل. وقد وردت في القرآن ١٦ مرة. يقول تعالى: .. إنما يتذكروا أولوا الألباب (١٩) [الرعد]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير