ﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆ

فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ( ١١٦ ) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ( ١١٧ ) ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ( ١١٨ ) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ( ١١٩ )
هذه الآيات الثلاث في بيان سنن الله العامة في إهلاك أولئك الأقوام الذين قص على رسوله قصصهم وأمثالهم جاءت بعدما تقدم من بيان عاقبتهم في الدنيا والآخرة، وإنذار قومه صلى الله عليه وسلم بهم، وما يجب عليه وعلى من آمن وتاب معه من الاستقامة والصلاح، واجتناب أهل الظلم والفساد.
وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون أي وما كان من شأن ربك وسنته في الاجتماع البشري أن يهلك الأمم بظلم منه لها في حال كون أهلها مصلحين في الأرض، مجتنبين للفساد والظلم، وإنما أهلكهم ويهلكهم بظلمهم وإفسادهم فيها، كما ترى في الآيات العديدة من هذه السورة وغيرها.
وفي الآية وجه آخر وهو أنه ليس من سنته تعالى أن يهلك القرى بظلم يقع فيها مع تفسير الظلم بالشرك وأهلها مصلحون في أعمالهم الاجتماعية والعمرانية، وأحكامهم المدنية والتأديبية، فلا يبخسون الحقوق كقوم شعيب، ولا يرتكبون الفواحش ويقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر كقوم لوط، ولا يبطشون بالناس بطش الجبارين كقوم هود، ولا يذلون لمتكبر جبار يستعبد الضعفاء، كقوم فرعون ؛ بل لا بد أن يضموا إلى الشرك الإفساد في الأعمال والأحكام، وهو الظلم المدمر للعمران، ويحتمل أن يراد أنه لا يهلكها بظلم قليل من أهلها لأنفسهم، إذا كان الجمهور الأكبر منهم مصلحين في جل أعمالهم ومعاملاتهم للناس. أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن جرير بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن تفسير هذه الآية فقال :( وأهلها ينصف بعضهم بعضا ). وروي موقوفا على جرير رضي الله عنه، فتنكير الظلم في هذا للتقليل والتحقير، وفيما قبله للتعظيم، وهو مأخوذ من قوله تعالى إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : ١٣ ] والآية تدل على أن إهلاك المصلحين ظلم فلذلك يتنزه الله عنه.
وذكر المفسرون في الوجه الثاني القول المشهور المعبر عن تجارب الناس، وهو أن الأمم تبقى مع الكفر، ولا تبقى مع الظلم، والأوجه الثلاثة في الآية صحيحة ويجوز إرادتها كلها على القول بأن جميع ما يدل عليه الكلام مما شأن صاحبه أن يعلمه، ولا يكون متعارضا في نفسه يصح أن يكون مرادا له، وإن كان من المشترك، أو كان بعضه حقيقة وبعضه مجازا، ومن أركان بلاغة القرآن جمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل، وأن يكون بعضها واضحا في هذه المعاني وبعضها خفيا يراد به أن يذهب الذهن والفكر فيه كل مذهب، وهذا مما يتنافس فيه البلغاء.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير