ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

ثم بين سبحانه عذاب اليوم الكبير بقوله : إلى الله مَرْجِعُكُمْ أي : رجوعكم إليه بالموت، ثم البعث، ثم الجزاء، لا إلى غيره وَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ومن جملة ذلك عذابكم على عدم الامتثال، وهذه الجملة مقرّرة لما قبلها. ثم أخبر الله سبحانه بأن هذا الإنذار والتحذير والتوعد لم ينجع فيهم، ولا لانت له قلوبهم، بل هم مصرّون على العناد مصممون على الكفر، فقال مصدراً لهذا الإخبار بكلمة التنبيه الدالة على التعجب من حالهم، وأنه أمر ينبغي أن يتنبه له العقلاء ويفهموه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، أنه قرأ : الر كِتَاب أُحْكِمَتْ آياته قال : هي كلها محكمة، يعني سورة هود ثُمَّ فُصّلَتْ قال : ثم ذكر محمداً صلى الله عليه وسلم، فحكم فيها بينه وبين من خالفه، وقرأ : مثل الفريقين الآية كلها، ثم ذكر قوم نوح ثم هود، فكان هذا تفصيل ذلك، وكان أوّله محكماً قال : وكان أبي يقول ذلك، يعني : زيد بن أسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، في قوله : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آياته قال : أحكمت بالأمر والنهي، وفصلت بالوعد والوعيد، وأخرج هؤلاء عن مجاهد فُصّلَتْ قال : فسرت. وأخرج هؤلاء أيضاً عن قتادة في الآية قال : أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بعلمه، فبين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته، وفي قوله : مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ يعني من عند حكيم، وفي قوله : يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا قال : فأنتم في ذلك المتاع، فخذوه بطاعة الله ومعرفة حقه، فإن الله منعم يحبّ الشاكرين، وأهل الشكر في مزيد من الله، وذلك قضاؤه الذي قضاه. وفي قوله : إلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني : الموت، وفي قوله : يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ أي : في الآخرة. وأخرج هؤلاء أيضاً عن مجاهد في قوله : يؤت كل ذي فضل فضله : أي في الآخرة. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن قال : يؤت كل ذي فضل في الإسلام فضل الدرجات في الآخرة. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود، في قوله : وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ قال : من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة، وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول : هلك من غلب آحاده أعشاره.
وأخرج البخاري وغيره، عن ابن عباس، في قوله : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ الآية قال : كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. قال البخاري، وعن ابن عباس : يَسْتَغْشُونَ يغطون رؤوسهم.
وروى البخاري أيضاً عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، يعني به الشك في الله، وعمل السيئات، وكذا روي عن مجاهد والحسن وغيرهما : أي أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئاً أو عملوه، فيظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأعلمهم سبحانه أنه حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ من القول وَمَا يُعْلِنُونَ . وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، في قوله : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ قال : كان المنافقون إذا مرّ أحدهم بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ثنى صدره، وتغشى ثوبه، لكيلا يراه، فنزلت. وأخرج ابن جرير، عن الحسن، في قوله : أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ قال : في ظلمة الليل في أجواف بيوتهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي رزين في الآية قال : كان أحدهم يحني ظهره ويستغشى بثوبه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال : كانوا يخفون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله، قال تعالى : أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا أحنى ظهره، واستغشى بثوبه، وأضمر همه في نفسه، فإن الله لا يخفى عليه ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال في الآية : يكتمون ما في قلوبهم ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما عملوا بالليل والنهار.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : وَمَا مِن دَابَّةٍ الآية قال : يعني كل دابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : وَمَا مِن دَابَّةٍ الآية قال : يعني ما جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعاً، ولكن ما كان لها من رزق لها فمن الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا قال : حيث تأوي، ومستودعها قال : حيث تموت. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا قال : يأتيها رزقها حيث كانت. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود، قال : مستقرّها في الأرحام، ومستودعها حيث تموت. ويؤيد هذا التفسير الذي ذكره ابن مسعود ما أخرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إذا كان أجل أحدكم بأرض أتيحت له إليها حاجة، حتى إذا بلغ أقصى أثره منها فيقبض، فتقول الأرض يوم القيامة : هذا ما استودعتني». وأخرج عبد الرزاق في المصنف، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس، أنه سئل عن قوله : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء على أيّ شيء كان الماء ؟ قال : على متن الريح. وقد وردت أحاديث كثيرة في صفة العرش، وفي كيفية خلق السموات والأرض ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم في التاريخ، وابن مردويه، عن ابن عمر، قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً فقيل : ما معنى ذلك يا رسول الله ؟ قال :«ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً»، ثم قال :«وأحسنكم عقلاً أورعكم عن محارم الله، وأعملكم بطاعة الله» وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، قال : إنكم أتمّ عقلاً. وأخرج أيضاً عن سفيان قال : أزهدكم في الدنيا.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال : لما نزلت اقترب لِلنَّاسِ حسابهم قال ناس : إن الساعة قد اقتربت فتناهوا، فتناهى القوم قليلاً ثم عادوا إلى أعمالهم أعمال السوء، فأنزل الله : أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ فقال ناس من أهل الضلال : هذا أمر الله قد أتى، فتناهى القوم ثم عادوا إلى مكرهم، مكر السوء، فأنزل الله هذه الآية : وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس، في قوله : إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ قال : إلى أجل معدود. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ يعني أهل النفاق. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله : وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ يقول : وقع بهم العذاب الذي استهزأوا به.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية