ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ

وهي تجري بهم في موج كالجبال ، والموج : ما يرتفع من الماء عند اضطرابه، أي : كل موجة من الطوفان كالجبال في تراكمها وارتفاعها، وما قيل من أن الماء أطبق ما بين السماء والأرض، وكانت السفينة تجري في جوفه، لم يثبت. وكيف يكون الموج كالجبال ؟ والمشهور أنه علا شوامخ الجبال، خمسة عشر ذراعاً، وإنْ صح ذلك فلعل ارتفاع الموج كالجبال كان قبل التطبيق.
ونادى نوحٌ ابنَه ، كان كنعان. وقيل : كان لغير رشدة، وهو خطأ ؛ لأن الأنبياء عُصمت من أن تزني أزواجهم. والمراد بالخيانة في قوله فَخَانَتَاهُمَا [ التحريم : ١٠ ]. في الدين. وكان في معزلٍ ؛ في ناحية، عزل نفسه فيها عن أبيه، أو عن دينه، فقال له أبوه : يا بُنيَّ اركب معنا في السفينة، ولا تكن مع الكافرين في الدين أو في الاعتزال عنا، وكان يظنه مؤمناً، لإخفاء كفره.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إذا دخل العارف في بحر الفناء، وغاب عن حسه ورسمه، واتصل معناه ببحر معاني الأسرار، جرت سفينة فكرته في بحر الذات وأنوار الصفات، فقال لأصحابه : اركبوا فيها، بسم الله مجريها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم، حيث غطى وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته. فوصلكم بما منه إليه، لا بما منكم إليه، فصارت سفن الأفكار تجري بهم في موج كالجبال، وهي تيار بحر الذات. فالخمرة الأزلية الخفية الصافية بحر لا ساحل له، وما ظهر من أنوار الصفات أمواجه. فأنوار الآثار هي أمواج البحار، وما عظم من أمواجه يسمى التيار، ولذلك قيل : العارفون يغرقون في بحر الذات، وتيار الصفات، فتراهم إذا غرقوا في بحر الأسرار وتيار الأنوار، وساروا فيها بمدد أسرارهم، تلاطمت عليهم أمواجه. وهي تجري بهم في موج كالجبال، فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، فآواه إلى جبل السنة المحمدية فكان من الناجين.
وآخرون حال بينهم الموج، فكانوا من المغرقين، فالتبس الأمر عليهم، فقالوا بالحلول والاتحاد، أو نفي الحكمة والأحكام. وهذا في حق من ركب بلا رئيس ماهر، وإلا رده إلى سفينة النجاة، وهي : التمسك بالشريعة المحمدية في الظاهر، والتحقق بالحقيقة الأصلية. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير