نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤١:الربع الثالث من الحزب الثالث والعشرين
في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع يواصل كتاب الله الحديث عن المرحلة الأخيرة من قصة نوح عليه السلام. ويحكي لنا أن نوحا عندما أراد أن يركب السفينة التي صنعها بوحي من ربه لم ينس ما عليه من واجب الشكر لله، والتوكل على الله، فأمر المتأهبين للركوب معه عند ركوبهم " سفينة النجاة " أن يذكروا عند ركوبهم اسم الله عليها، وأن يحصنوها باسمه الأقدس من كل سوء ينزل بها، حتى يتم جري سفينة نوح ورسوها في أحسن الأحوال، ولا ينالها أي أذى من الأمواج المتلاطمة والشامخة كالجبال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم، وهي تجري بهم في موج كالجبال .
قال القاضي أبو بكر ابن العربي :" قال علماؤنا : إنما سأل نوح ربه، لأجل قول الله : احمل فيها من كل زوجين –إلى- وأهلك. وترك نوح قوله –إلا من سبق عليه القول- لأنه رآه استثناء عائدا إلى قوله : من كل زوجين اثنين ، وحمله الرجاء على ذلك، فأعلمه الله أن الاستثناء عائد إلى الكل، وأنه قد سبق القول على بعض أهله، كما سبق على بعض من الزوجين أي من كل زوجين اثنين وأن الذي سبق عليه القول من أهله أي علاوة على امرأته هو ابنه، تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كان آباؤهم صالحين ".
وقال ابن العربي :" قوله تعالى : وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها نص في ذكر الله في كل حال وعلى كل أمر، وقد روي الدارقطني وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر ). وقال ابن كثير :" ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور، وجاءت السنة بالحث على ذلك والندب إليه ".
أما الدعاء الذي دعا به نوح عليه السلام، عندما استوى على السفينة، بتلقين من ربه، فقد نص عليه كتاب الله في آية أخرى إذ يقول مخاطبا لنبيه نوح : فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين، وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين |المؤمنون : ٢٨، ٢٩|.
ثم وصف كتاب الله نداء نوح لابنه الذي أصر على الكفر، وما دار بينهما من حوار مؤثر في تلك الفترة العصيبة. ومنه يبدو الصراع الداخلي الذي كان قائما بين عاطفة نوح بصفته مجرد أب عادي ، وواجبه بصفته رسولا عن الله . فقد ظن نوح عليه السلام أن الاستثناء الذي ورد في قوله تعالى : إلا من سبق عليه القول بعد قوله تعالى : قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إنما هو منصب على ما أمر بحمله معه من أصناف الأحياء المختلفة، بمعنى أن منها ما أذن الله بحمله معه في السفينة ليستمر بقاؤه في العالم، ومنها ما سبق عليه القضاء بالغرق والانقراض نهائيا، ولم يعتقد نوح عليه السلام أن الاستثناء الوارد في قوله تعالى : إلا من سبق عليه القول منصب حتى على أهله أنفسهم، فمنهم من أذن له بأخذه في السفينة، كأبنائه الثلاثة : سام وحام ويافث ، ومنهم من لا حظ له فيها كامرأة نوح وابنه الرابع يام .
وبمقتضى هذا التأويل أخذ نوح ينادي ابنه ليفارق الكافرين من قومه، ويلتحق به في " سفينة النجاة "، فما كان من ابنه المصر على الكفر إلا أن فضل البقاء حيث هو، ظانا أن في إمكانه النجاة من الطوفان إذا اعتصم بالجبل.
ولم يسع نوحا – وهو الناصح الأمين الذي طالما أسدى النصح للبعيد والقريب – إلا أن يجدد النصح لابنه، ويؤكد له أنه لا عاصم يعصمه من عذاب الله، وأن الطوفان سيدرك الجميع لا محالة، ولا تنجو منه إلا سفينة النجاة التي صنعها نوح بوحي من ربه، وركبها ومن معه، متحصنين باسمه الأقدس، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري