ﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

فصل


لمَّا حكى عن نوح أنَّه دعا ابنه إلى رُكوبِ السَّفينة حكى عن ابنه أنَّهُ قال : سآوي إلى جَبَلٍ سأصير وألتَجِىءُ إلى جبل يَعْصِمُنِي مِنَ المآء يمنعني من الغرقِ، وهذا يدل على أنَّ الابنَ كان مُصِرّاً على الكفر، فعند هذا قال نوحٌ : لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله أي : من عذابِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ . وههنا سؤال :
وهو أن الذي رحمه الله معصومٌ، فكيف يحسن استثناء المعصوم من العاصم ؟
والجواب من وجوه :
الأول : أنَّهُ استثناءٌ منقطع، وذلك أن تجعل " عَاصماً " على حقيقته، و " مَنْ رَحِمَ " هو المعصوم، وفي " رَحِمَ " ضميرٌ مرفوعٌ يعودُ على الله تعالى، ومفعولهُ ضميرُ الموصولِ وهو " مَنْ " حذف لاستكمالِ الشروطِ، والتقديرُ : لا عاصم اليوم ألبتة من أمر الله، لكن من رحمه الله فهو معصوم.
الثاني : أن يكون المراد ب " مَنْ رَحِمَ " هو الباري تعالى كأنه قيل : لا عاصم اليومَ إلاَّ الرَّاحمَ.
الثالث : أنَّ عاصماً بمعنى معصُوم، وفاعل قد يجيءُ بمعنى مفعول نحو : مَّآءٍ دَافِقٍ [ الطارق : ٦ ] أي : مَدْقُوق ؛ وأنشدوا :[ المتقارب ]
بَطِيءُ القيامِ رَخِيمُ الكَلاَ مِ أمْسَى فُؤادِي بِهِ فَاتِنَا١
أي : مَفْتُوناً، و " مَنْ " مرادٌ بها المعصومُ، والتقدير : لا معصوم اليوم من أمْرِ الله إلاَّ من رحمه الله فإنَّه يُعْصَمُ.
الرابع : أن يكون " عاصم " هنا بمعنى النَّسب، أي : ذا عِصْمَة نحو : لابن وتامر، وذو العصمة ينطلق على العاصم وعلى المعصوم، والمراد به هنا المعصوم.
وهو على هذه التَّقادير استثناءٌ متصلٌ، وقد جعله الزمخشريُّ متصلآً لمدرك آخر، وهو حذفُ مضافٍ تقديره : لا يعصمك اليوم مُعْتَصمٌ قط من جبلٍ ونحوه سوى مُعْتَصمٍ واحدٍ، وهو مكان من رحمهم الله ونجاهم، يعني في السفينة.
وأمَّا خبرُ " لا " فالأحسنُ أن يجعل محذوفاً، وذلك لأنَّهُ إذا دلًَّ عليه دليلٌ ؛ وجب حذفه عند تميم، وكثر عند الحجاز، والتقدير : لا عاصم موجودٌ.
وجوَّز الحوفيُّ وابنُ عطيَّة أن يكون خبرها هو الظرف وهو اليوم. قال الحوفيُّ : ويجوز أن يكون " اليَوْمَ " خبراً فيتعلَّق بالاستقرار، وبه يتعلق " منْ أمْرِ اللهِ ".
وقد ردَّ أبو البقاءِ ذلك فقال : فأمَّا خبرُ " لا " فلا يجوزُ أن يكون " اليَوْمَ " ؛ لأنَّ ظرف الزَّمان لا يكون خبراً عن الجُثَّة، بل الخبرُ " مِنْ أمْرِ الله " و " اليَوْمَ " معمولُ " مِنْ أمْرِ اللهِ ".
وأمَّا اليَوْمَ " و " مِنْ أمْرِ الله " فقد تقدَّم أنَّ بعضهم جعل أحدهما خبراً، فيتعلقُ الآخر بالاستقرار الذي يتضمَّنه الواقعُ خبراً، ويجوزُ في " اليَوْمَ " أن يتعلق بنفس " مِنْ أمْرِ الله " لكونه بمعنى الفعل.
وجوَّز الحوفيُّ أن يكون " اليَوْمَ " نعتاً ل " عَاصِمَ " وهو فاسدٌ بما أفسدَ بوقوعه خبراً عن الجُثَّة٢.
وقرىء " إلاَّ مَنْ رُحِمَ " مبنيّاً للمفعول، وهي مقويةٌ لقول من يدعي أنَّ " مَنْ رَحمَ " في قراءةِ العامَّة المرادُ به المرحوم لا الرَّاحم، كما تقدَّم تأويلهُ. ولا يجوزُ أن يكون " اليوْمَ " ولا " مِنْ أمْرِ الله " متعلقين ب " عَاصم " وكذلك الواحد منهما ؛ لأنَّه كان يكون الاسمُ مطوَّلاً، ومتى كان مُطَوَّلاً أعرب، ومتى أعرب نُوِّن، ولا عبرة بخلاف الزجاج حيثُ زعم أنَّ اسم " لا " معربٌ حذف تنوينه تخفيفاً.
ثم قال سبحانه وتعالى : وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج فَكَانَ فصار مِنَ المغرقين .
روي أنَّ الماءَ علا على رؤوس الجبالِ قدر أربعين ذراعاً، وقيل : خمسة عشر ذراعاً.
١ ينظر البيت في البحر المحيط ٥/٢٢٧ واللسان (فتن) وروح المعاني ١٢/٩٠ والقرطبي ٩/٢٨ والدر المصون ٤/١٠٢..
٢ ينظر: الكشاف ٢/٣٩٧، البحر المحيط ٥/٢٢٨، والدر المصون ٤/١٠٢..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية