ﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋ

وتتحرك عاطفة الأبوة في نوح عليه السلام، ويظهرها قول الحق سبحانه :
ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم١ الحاكمين ( ٤٥ ) :
وعاطفة الأبوة عاطفة محمودة، والحق سبحانه يشحن بها قلب الأب على قدر حاجة البنوة، ولو لم تكن تلك العاطفة موجودة، لما تحمل أي أب أو أي أم متاعب تربية الأبناء.
وحتى نعلم أن الأنبياء لا بنوة لهم إلا بنوة الاتباع نجد المثل في إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، حين قال فيه الحق سبحانه :
وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن٢... ( ١٢٤ ) [ البقرة ] : أي : أن أداء إبراهيم عليه السلام للتكليف كان على وجه التمام، مثلما أراد أن يرفع القواعد من البيت، فرفعها فوق قامته بالاحتيال، فأحضر حجرا ووقف عليه ليُعلى جدار الكعبة.
وقال له الله تعالى : إني جاعلك للناس إمام... ( ١٢٤ ) [ البقرة ] : لأنك مأمون على منهج الله وقادر على أن تنفذه بدقة، فقال إبراهيم عليه السلام : ومن ذريتي.. ( ١٢٤ ) [ البقرة ].
فقال الحق سبحانه : .. لا ينال عهدي٣ الظالمين ( ١٢٤ ) [ البقرة ] : من هذا نعلم أن النبوة ليس لها بنوة، بل النبوة لها أتباع.
ويتضح ذلك أيضا في قول إبراهيم عليه السلام بعد أن استقر في ذهنه قول الحق سبحانه : .. لا ينال عهدي الظالمين ( ١٢٤ ) [ البقرة ].
قال إبراهيم لربه سبحانه طلبا للرزق لمكة وأهلها : وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر... ( ١٢٦ ) [ البقرة ].
هكذا طلب إبراهيم عليه السلام الرزق للمؤمنين، لكن الحق سبحانه يبين له أن نقل المسألة إلى غير مكانها ؛ فالرزق عطاء ربوبية للمؤمن والكافر، لكن تكليفات الألوهية هي للمؤمن فقط ؛ لذلك قال الحق سبحانه : ومن كفر.. ( ١٢٦ ) [ البقرة ] : أي : أن الرزق يشمل المؤمن والكافر، عطاء من الربوبية.
ونريد أن نقول إن عاطفة الأبوة والأمومة إنما تتناسب مع حاجة الابن تناسبا عكسيا، فإن كان الابن قويا فعاطفة الأبوة والأمومة تقل.
ومثال ذلك : أننا نجد شقيقين أحدهما غني قائم بأمر الأبوين ويتكفل بهما، بينما الابن الآخر فقير لا يقدر على رعاية الأبوين.
وسنلحظ أن قلب الأب والأم يكون مع الفقير، لا مع الغني، فعاطفة الأبوة والأمومة تكون مع الضعيف والمريض والغائب، وكلما كان الابن في حاجة ؛ كانت العاطفة معه.
وفي نداء نوح عليه السلام لربه سبحانه نلحظ أن نوحا كان يملك المبرر طلبات لنجاة الابن ؛ لأن الحق سبحانه أمره بأن يحمل في السفينة من كل زوجين اثنين وكذلك أهله، فأراد نوح عليه السلام أن يطلب النجاة لابنه لأنه من أهله، فقال : .. رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين [ ٤٥ ] [ هود ].
إذن : فنوح عليه السلام يملك حق الدعاء ؛ لأنه يطلب تحقق وعد الله تعالى بأن يجمل أهله معه للنجاة.
وحين يقول نوح : وأنت أحكم الحاكمين هو إقرار بأن الله سبحانه لا يخطئ ؛ لأن الابن قد غرق، بل لابد أن ذلك الغرق كان لحكمة.

١ - أحكم: اسم تفضيل يفيد المبالغة في الصفة، أي: أنه سبحانه وتعالى هو أفضل الحاكمين.
وأحكم الأمر: أتقنه. قال تعالى: ثم يحكم الله آياته...(٥٢) [الحج] أي: يبينها ويجعلها متقنة مقنعة محكمة. [القاموس القويم]..

٢ - ابتلى: اختبر وامتحن. بكلمات: بأوامر ونواه، فأتمهن: أداهن لله تعالى على الكمال. [كلمات القرآن].
وقد اختلف في تعيين الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: ابتلاه الله بالمناسك وعنه أيضا: ابتلاه بالطهارة: خمس في الرأس وخمس في الجسد، في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار..

٣ -- العهد: الزمان والوصية والموثق والذمة والأمان. قال تعالى: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه.. (٦٧) [البقرة]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير