وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ( ٤٥ ) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( ٤٦ ) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ ( ٤٧ ) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ٤٨ ) تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ( هود : ٤٥-٤٩ ).
المعنى الجملي : الآيات الثلاث الأولى تبين أن حكم الله في خلقه العدل بلا محاباة لوليّ ولا نبي، وأن الأنبياء قد يجوز عليهم الخطأ في الاجتهاد ويعدُّ ذلك ذنبا بالنظر إلى مقامهم الرفيع ومعرفتهم بربهم، وذلك ما عرض له نوح عليه السلام من الاجتهاد في أمر ابنه الذي تخلّف عن السفينة فكان من المغرقين، كما أن في الآية الأخيرة استدلالا على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وطلب صبره على أذى قومه.
الإيضاح :
ثم ذكر لنبيّه صلى الله عليه وسلم أن هذا قصص من عالم الغيب لا يعرفه هو ولا قومه من قبل فقال : تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ( هود : ٤٩ ) أي هذا القصص الذي قصصته عليك من خبر نوح وقومه من أخبار الغيب التي لم تشهدها حتى تعلمها، نوحيها إليك نحن فنعرّفكها تفصيلا، وما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل الوحي الذي نزل مبيّنا لها، ربما كان يعلمها هو وقومه على سبيل الإجمال.
فاصبر إن العاقبة للمتقين أي فاصبر على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته وما تلقى من قومك من أذى كما صبر نوح على قومه، فإن سنة الله في رسله وأقوامهم أن تكون العاقبة بالفوز والنجاة للمتقين الذين يجتنبون المعاصي ويعملون الطاعات، فأنتم الفائزون المفْلحون، والمصّرون على عداوتكم هم الخاسرون الهالكون.
هل كان الطوفان عاما أو خاصا ؟
سئل الأستاذ الإمام محمد عبده في ذلك ؛ فأجاب بما يلي :
ليس في القرآن نص قاطع على عموم الطوفان ولا على عموم رسالة نوح عليه السلام، وما ورد من الأحاديث على فرض صحة سنده فهو أحاد لا يوجب اليقين، والمطلوب في تقرير مثل هذه الحقائق هو اليقين لا الظن إذا عدّ اعتقادها من عقائد الدين.
وأما المؤرخ ومريد الاطلاع فله أن يحصل من الظن ما ترجحه عنده ثقته بالراوي أو المؤرخ أو صاحب الرأي، وما يذكره المؤرخون والمفسرون في هذه المسألة لا يخرج عن حد الثقة بالرواية أو عدم الثقة بها، ولا تتخذ دليلا قطعيا على معتَقد ديني.
من أجل هذا كانت هذه المسألة موضوع نزاع بين أهل الأديان وأهل النظر في طبقات الأرض، وموضوع خلاف بين مؤرخي الأمم.
فأهل الكتاب وعلماء الأمة الإسلامية على أن الطوفان كان عاما لكل الأرض، ووافقهم على ذلك كثير من أهل النظر، واحتجوا على رأيهم بوجود بعض الأصداف والأسماك المتحجرة في أعالي الجبال، لأن هذه الأشياء مما لا تتكون إلا في البحر، فظهورها في رؤوس الجبال دليل على أن الماء صعد إليها مرة من المرات، ولن يكون ذلك حتى يكون قد عم الأرض.
ويزعم غالب أهل النظر من المتأخرين أن الطوفان لم يكن عاما، ولهم على ذلك شواهد يطول شرحها، غير أنه لا يجوز لمسلم، أن ينكر قضية أن الطوفان كان عاما لمجرد احتمال التأويل في آيات الكتاب العزيز، بل على كل من يعتقد بالدين ألا ينفي شيئا مما يدل عليه ظاهر الآيات والأحاديث التي صح سندها وينصرف عنها إلى التأويل إلا بدليل عقلي يقطع بأن الظاهر غير مراد، والوصول إلى ذلك في مثل هذه المسألة يحتاج إلى بحث طويل وعناء شديد. وعلم غزير في طبقات الأرض وما تحتوي عليه، وذلك يتوقف على علوم شتى عقلية ونقلية، ومن هذى برأيه بدون علم يقينيّ فهو مجازف لا يسمع له قول، ولا يسمح له ببثّ جهالاته، والله ورسوله أعلم ا هـ بتصرف.
وخلاصة هذا : إن ظواهر القرآن والأحاديث تدل على أن الطوفان كان عاما شاملا لقوم نوح الذين لم يكن في الأرض غيرهم فيجب اعتقاده، ولكنه لا يقتضي أن يكون عاما للأرض، إذ لا دليل على أنهم كانوا يملئون الأرض، وكذلك وجود الأصداف والحيوانات البحرية في قُنن الجبال لا يدل على أنها من أثر ذلك الطوفان، بل الأقرب أنه كان من أثر تكوّن الجبال وغيرها من اليابسة في الماء، فإن صعود الماء إلى الجبال أياما معدودة لا يكفي لحدوث ما ذكر فيها.
ولما كانت هذه المسألة التاريخية ليست من مقاصد الدين لم يبينها بنص قطعي، ومن ثم نقول إنه ظاهر النصوص ولا نتخذه عقيدة دينية قطعية، فإن أثبت علم طبقات الأرض- الجيولوجيا- خلافه فلا يضيرنا، لأنه لا ينقض نصا قطعيا عندنا.
حادثة الطوفان في القرآن والتوراة والتاريخ القديم :
ذكرنا فيما سلف أن أحداث التاريخ وضبط وقائعه وأزمنتها وأمكنتها ليس من مقاصد القرآن، وأن ما فيه من قصص الرسل مع أقوامهم فإنما هو بيان لسنة الله فيهم.
وذكرنا أيضا أن قصة نوح عليه السلام جاءت في عدة سور في كل سورة منها ما ليس في سائرها، ولم يذكر من حادثة الطوفان إلا ما فيه العبرة والموعظة.
وجاءت هذه القصة في سفر التكوين في أربعة فصول ذكر في أولها سبب الطوفان وهو في جملته على نحو ما جاء في القرآن الكريم إلا أن الأسلوب على نحو أساليب التوراة، وذكر في الرابع منها رجوع المياه من الأرض بالتدريج واستقرار الفلك على جبل أراراط ثم خروج نوح ومن معه من السفينة.
وقد ورد في تواريخ أكثر الأمم القديمة ذكر الطوفان، منها ما هو مواقف لما في سفر التكوين، ومنها ما هو مخالف له ؛ فروى اليونان خبرا عن الطوفان أورده أفلاطون قال : إن كهنة المصريين قالوا لسولون- الحكيم اليوناني- إن السماء أرسلت طوفانا غيّر وجه الأرض، ورُوي عن قدماء الفرس طوفان أغرق الله به الأرض بما انتشر فيها من الفساد والشر بفعل- أهريمان- إله الشر، وقالوا إن هذا الطوفان فار أولا من تنور العجوز- زول كوفه- إذ كانت تخبز خبزها فيه، ولكن المجوس أنكروا عموم الطوفان وقالوا إنه كان خاصا بإقليم العراق وانتهى على حدود كردستان.
عمر نوح عليه السلام :
جاء في الكتاب الكريم في سورة العنكبوت : ولقد أرسلنا نوحا على قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ( العنكبوت : ١٤ ).
وجاء في سفر التكوين نحو من هذا، وقد اشتبه الأمر على الناس في أزمنة مختلفة حتى زعم بعضهم أن السنة عند المتقدمين أقل من السنة عند أهل القرون المعروفة بعد تدوين التاريخ، ولا دليل على هذا.
والذي يظهر أن أعمار آدم وذريته إلى ما قبل الطوفان أو قبل ما كشف من آثار التاريخ لا تقاس بما عرف بعد ذلك، لأن معيشة الإنسان الفطرية كانت أسلم للأبدان وأقل توليدا للأمراض : وقول الله هو الحق ويجب الإيمان به على كل حال، قال الشاعر :نجيب يا رب نوحا واستجب له في فلك ماخر في اليم مشحونا وعاش يدعو بآيات مبينة في قومه ألف عام غير خمسينا
تتمة لقصة نوح عليه السلام :
هل كان الطوفان عاما أو خاصا ؟
سئل الأستاذ الإمام محمد عبده في ذلك ؛ فأجاب بما يلي :
ليس في القرآن نص قاطع على عموم الطوفان ولا على عموم رسالة نوح عليه السلام، وما ورد من الأحاديث على فرض صحة سنده فهو أحاد لا يوجب اليقين، والمطلوب في تقرير مثل هذه الحقائق هو اليقين لا الظن إذا عدّ اعتقادها من عقائد الدين.
وأما المؤرخ ومريد الاطلاع فله أن يحصل من الظن ما ترجحه عنده ثقته بالراوي أو المؤرخ أو صاحب الرأي، وما يذكره المؤرخون والمفسرون في هذه المسألة لا يخرج عن حد الثقة بالرواية أو عدم الثقة بها، ولا تتخذ دليلا قطعيا على معتَقد ديني.
من أجل هذا كانت هذه المسألة موضوع نزاع بين أهل الأديان وأهل النظر في طبقات الأرض، وموضوع خلاف بين مؤرخي الأمم.
فأهل الكتاب وعلماء الأمة الإسلامية على أن الطوفان كان عاما لكل الأرض، ووافقهم على ذلك كثير من أهل النظر، واحتجوا على رأيهم بوجود بعض الأصداف والأسماك المتحجرة في أعالي الجبال، لأن هذه الأشياء مما لا تتكون إلا في البحر، فظهورها في رؤوس الجبال دليل على أن الماء صعد إليها مرة من المرات، ولن يكون ذلك حتى يكون قد عم الأرض.
ويزعم غالب أهل النظر من المتأخرين أن الطوفان لم يكن عاما، ولهم على ذلك شواهد يطول شرحها، غير أنه لا يجوز لمسلم، أن ينكر قضية أن الطوفان كان عاما لمجرد احتمال التأويل في آيات الكتاب العزيز، بل على كل من يعتقد بالدين ألا ينفي شيئا مما يدل عليه ظاهر الآيات والأحاديث التي صح سندها وينصرف عنها إلى التأويل إلا بدليل عقلي يقطع بأن الظاهر غير مراد، والوصول إلى ذلك في مثل هذه المسألة يحتاج إلى بحث طويل وعناء شديد. وعلم غزير في طبقات الأرض وما تحتوي عليه، وذلك يتوقف على علوم شتى عقلية ونقلية، ومن هذى برأيه بدون علم يقينيّ فهو مجازف لا يسمع له قول، ولا يسمح له ببثّ جهالاته، والله ورسوله أعلم ا هـ بتصرف.
وخلاصة هذا : إن ظواهر القرآن والأحاديث تدل على أن الطوفان كان عاما شاملا لقوم نوح الذين لم يكن في الأرض غيرهم فيجب اعتقاده، ولكنه لا يقتضي أن يكون عاما للأرض، إذ لا دليل على أنهم كانوا يملئون الأرض، وكذلك وجود الأصداف والحيوانات البحرية في قُنن الجبال لا يدل على أنها من أثر ذلك الطوفان، بل الأقرب أنه كان من أثر تكوّن الجبال وغيرها من اليابسة في الماء، فإن صعود الماء إلى الجبال أياما معدودة لا يكفي لحدوث ما ذكر فيها.
ولما كانت هذه المسألة التاريخية ليست من مقاصد الدين لم يبينها بنص قطعي، ومن ثم نقول إنه ظاهر النصوص ولا نتخذه عقيدة دينية قطعية، فإن أثبت علم طبقات الأرض- الجيولوجيا- خلافه فلا يضيرنا، لأنه لا ينقض نصا قطعيا عندنا.
حادثة الطوفان في القرآن والتوراة والتاريخ القديم :
ذكرنا فيما سلف أن أحداث التاريخ وضبط وقائعه وأزمنتها وأمكنتها ليس من مقاصد القرآن، وأن ما فيه من قصص الرسل مع أقوامهم فإنما هو بيان لسنة الله فيهم.
وذكرنا أيضا أن قصة نوح عليه السلام جاءت في عدة سور في كل سورة منها ما ليس في سائرها، ولم يذكر من حادثة الطوفان إلا ما فيه العبرة والموعظة.
وجاءت هذه القصة في سفر التكوين في أربعة فصول ذكر في أولها سبب الطوفان وهو في جملته على نحو ما جاء في القرآن الكريم إلا أن الأسلوب على نحو أساليب التوراة، وذكر في الرابع منها رجوع المياه من الأرض بالتدريج واستقرار الفلك على جبل أراراط ثم خروج نوح ومن معه من السفينة.
وقد ورد في تواريخ أكثر الأمم القديمة ذكر الطوفان، منها ما هو مواقف لما في سفر التكوين، ومنها ما هو مخالف له ؛ فروى اليونان خبرا عن الطوفان أورده أفلاطون قال : إن كهنة المصريين قالوا لسولون- الحكيم اليوناني- إن السماء أرسلت طوفانا غيّر وجه الأرض، ورُوي عن قدماء الفرس طوفان أغرق الله به الأرض بما انتشر فيها من الفساد والشر بفعل- أهريمان- إله الشر، وقالوا إن هذا الطوفان فار أولا من تنور العجوز- زول كوفه- إذ كانت تخبز خبزها فيه، ولكن المجوس أنكروا عموم الطوفان وقالوا إنه كان خاصا بإقليم العراق وانتهى على حدود كردستان.
عمر نوح عليه السلام :
جاء في الكتاب الكريم في سورة العنكبوت : ولقد أرسلنا نوحا على قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ( العنكبوت : ١٤ ).
وجاء في سفر التكوين نحو من هذا، وقد اشتبه الأمر على الناس في أزمنة مختلفة حتى زعم بعضهم أن السنة عند المتقدمين أقل من السنة عند أهل القرون المعروفة بعد تدوين التاريخ، ولا دليل على هذا.
والذي يظهر أن أعمار آدم وذريته إلى ما قبل الطوفان أو قبل ما كشف من آثار التاريخ لا تقاس بما عرف بعد ذلك، لأن معيشة الإنسان الفطرية كانت أسلم للأبدان وأقل توليدا للأمراض : وقول الله هو الحق ويجب الإيمان به على كل حال، قال الشاعر :
| نجيب يا رب نوحا واستجب له | في فلك ماخر في اليم مشحونا |
| وعاش يدعو بآيات مبينة | في قومه ألف عام غير خمسينا |
تتمة لقصة نوح عليه السلام :
هل كان الطوفان عاما أو خاصا ؟
سئل الأستاذ الإمام محمد عبده في ذلك ؛ فأجاب بما يلي :
ليس في القرآن نص قاطع على عموم الطوفان ولا على عموم رسالة نوح عليه السلام، وما ورد من الأحاديث على فرض صحة سنده فهو أحاد لا يوجب اليقين، والمطلوب في تقرير مثل هذه الحقائق هو اليقين لا الظن إذا عدّ اعتقادها من عقائد الدين.
وأما المؤرخ ومريد الاطلاع فله أن يحصل من الظن ما ترجحه عنده ثقته بالراوي أو المؤرخ أو صاحب الرأي، وما يذكره المؤرخون والمفسرون في هذه المسألة لا يخرج عن حد الثقة بالرواية أو عدم الثقة بها، ولا تتخذ دليلا قطعيا على معتَقد ديني.
من أجل هذا كانت هذه المسألة موضوع نزاع بين أهل الأديان وأهل النظر في طبقات الأرض، وموضوع خلاف بين مؤرخي الأمم.
فأهل الكتاب وعلماء الأمة الإسلامية على أن الطوفان كان عاما لكل الأرض، ووافقهم على ذلك كثير من أهل النظر، واحتجوا على رأيهم بوجود بعض الأصداف والأسماك المتحجرة في أعالي الجبال، لأن هذه الأشياء مما لا تتكون إلا في البحر، فظهورها في رؤوس الجبال دليل على أن الماء صعد إليها مرة من المرات، ولن يكون ذلك حتى يكون قد عم الأرض.
ويزعم غالب أهل النظر من المتأخرين أن الطوفان لم يكن عاما، ولهم على ذلك شواهد يطول شرحها، غير أنه لا يجوز لمسلم، أن ينكر قضية أن الطوفان كان عاما لمجرد احتمال التأويل في آيات الكتاب العزيز، بل على كل من يعتقد بالدين ألا ينفي شيئا مما يدل عليه ظاهر الآيات والأحاديث التي صح سندها وينصرف عنها إلى التأويل إلا بدليل عقلي يقطع بأن الظاهر غير مراد، والوصول إلى ذلك في مثل هذه المسألة يحتاج إلى بحث طويل وعناء شديد. وعلم غزير في طبقات الأرض وما تحتوي عليه، وذلك يتوقف على علوم شتى عقلية ونقلية، ومن هذى برأيه بدون علم يقينيّ فهو مجازف لا يسمع له قول، ولا يسمح له ببثّ جهالاته، والله ورسوله أعلم ا هـ بتصرف.
وخلاصة هذا : إن ظواهر القرآن والأحاديث تدل على أن الطوفان كان عاما شاملا لقوم نوح الذين لم يكن في الأرض غيرهم فيجب اعتقاده، ولكنه لا يقتضي أن يكون عاما للأرض، إذ لا دليل على أنهم كانوا يملئون الأرض، وكذلك وجود الأصداف والحيوانات البحرية في قُنن الجبال لا يدل على أنها من أثر ذلك الطوفان، بل الأقرب أنه كان من أثر تكوّن الجبال وغيرها من اليابسة في الماء، فإن صعود الماء إلى الجبال أياما معدودة لا يكفي لحدوث ما ذكر فيها.
ولما كانت هذه المسألة التاريخية ليست من مقاصد الدين لم يبينها بنص قطعي، ومن ثم نقول إنه ظاهر النصوص ولا نتخذه عقيدة دينية قطعية، فإن أثبت علم طبقات الأرض- الجيولوجيا- خلافه فلا يضيرنا، لأنه لا ينقض نصا قطعيا عندنا.
حادثة الطوفان في القرآن والتوراة والتاريخ القديم :
ذكرنا فيما سلف أن أحداث التاريخ وضبط وقائعه وأزمنتها وأمكنتها ليس من مقاصد القرآن، وأن ما فيه من قصص الرسل مع أقوامهم فإنما هو بيان لسنة الله فيهم.
وذكرنا أيضا أن قصة نوح عليه السلام جاءت في عدة سور في كل سورة منها ما ليس في سائرها، ولم يذكر من حادثة الطوفان إلا ما فيه العبرة والموعظة.
وجاءت هذه القصة في سفر التكوين في أربعة فصول ذكر في أولها سبب الطوفان وهو في جملته على نحو ما جاء في القرآن الكريم إلا أن الأسلوب على نحو أساليب التوراة، وذكر في الرابع منها رجوع المياه من الأرض بالتدريج واستقرار الفلك على جبل أراراط ثم خروج نوح ومن معه من السفينة.
وقد ورد في تواريخ أكثر الأمم القديمة ذكر الطوفان، منها ما هو مواقف لما في سفر التكوين، ومنها ما هو مخالف له ؛ فروى اليونان خبرا عن الطوفان أورده أفلاطون قال : إن كهنة المصريين قالوا لسولون- الحكيم اليوناني- إن السماء أرسلت طوفانا غيّر وجه الأرض، ورُوي عن قدماء الفرس طوفان أغرق الله به الأرض بما انتشر فيها من الفساد والشر بفعل- أهريمان- إله الشر، وقالوا إن هذا الطوفان فار أولا من تنور العجوز- زول كوفه- إذ كانت تخبز خبزها فيه، ولكن المجوس أنكروا عموم الطوفان وقالوا إنه كان خاصا بإقليم العراق وانتهى على حدود كردستان.
عمر نوح عليه السلام :
جاء في الكتاب الكريم في سورة العنكبوت : ولقد أرسلنا نوحا على قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ( العنكبوت : ١٤ ).
وجاء في سفر التكوين نحو من هذا، وقد اشتبه الأمر على الناس في أزمنة مختلفة حتى زعم بعضهم أن السنة عند المتقدمين أقل من السنة عند أهل القرون المعروفة بعد تدوين التاريخ، ولا دليل على هذا.
والذي يظهر أن أعمار آدم وذريته إلى ما قبل الطوفان أو قبل ما كشف من آثار التاريخ لا تقاس بما عرف بعد ذلك، لأن معيشة الإنسان الفطرية كانت أسلم للأبدان وأقل توليدا للأمراض : وقول الله هو الحق ويجب الإيمان به على كل حال، قال الشاعر :
| نجيب يا رب نوحا واستجب له | في فلك ماخر في اليم مشحونا |
| وعاش يدعو بآيات مبينة | في قومه ألف عام غير خمسينا |
تفسير المراغي
المراغي