ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين( ٤٩ ) :
وكلمة " تلك " إشارة وخطاب، والمخاطب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، و " التاء " إشارة إلى السفينة وما تبعها من أنباء الغيب، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم معاصرا لها ولا يعلمها هو، ولا يعلمها أحد من قومه.
وأنت يا رسول الله لم يعلم عنك أنك جلست إلى معلم١، ولم يذكر عنك أنك قرأت في كتاب ؛ ولذلك يأتي في القرآن : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر٢... ( ٤٤ ) [ القصص ].
وجاء : ... وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم٣ أيهم يكفل٤ مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ( ٤٤ ) . [ آل عمران ].
إذن : فما دامت يا محمد لم تقرأ ولم تتعلم عن معلم فمن علمك ؟ إنما علمك الله سبحانه.
وكأن الله سبحانه وتعالى علم رسوله صلى الله عليه وسلم قصة نوح عليه السلام وأراد بها إلقاء الأسوة وإلقاء العبرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يثق بأن كل رسول إنما يصنع حركته الإيمانية المنهجية بعين من الله، وأنه سبحانه لن يسلمه إلى خصومه ولا أعدائه.
ولذلك يأتي القول الكريم : فاصبر ؛ لأنك قد عرفت الآن نتيجة صبر نوح عليه السلام الذي استمر ألف سنة إلا خمسين، ويأتي بعدها قوله سبحانه : .. إن العاقبة للمتقين ( ٤٩ ) [ هود ].
٢ - وما كنت: خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم [بجانب الغربي] أي: بجانب الجبل أو الوادي أو المكان الغربي من موسى حين المناجاة: إذ قضينا إلى موسى الأمر (٤٤) [القصص]: أي: أوحينا إلى موسى- عليه السلام- الأمر بالرسالة إلى فرعون وقومه. [تفسير الجلالين، ومختصر تفسير الطبري] بتصرف..
٣ - الأقلام – هنا- جمع قلم بمعنى السهم أو خشبة تشبهه، يكتب عليه رمز يدل على مقدار يعطى لمن يخرج باسمه، وكانوا يستعملونه في القمار- وقد نهى الإسلام عن ذلك- وكانوا يستعملون أيضا في القرعة. ومن استعماله في القرعة قوله سبحانه: إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم...(٤٤) [آل عمران] فالأقلام هنا: سهام الاقترع، وقد أجريت القرعة ففاز سهم زكريا- عليه السلام- فكفل مريم. [القاموس القويم]..
٤ - كفل يكفل كفلا وكفالة: قام بالتربية والرعاية لمن يكفله. وقول سبحانه: [يكفل مريم]: أي يرعاها ويربيها. وقال تعالى: وكفلها زكريا..(٣٧) [آل عمران] أي: جعله كافلا لها. [القاموس القويم]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي