ﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
وتلك عاد جحدوا١ بآيات ربهم وعصوا رسله٢ واتبعوا أمر كل جبار عنيد٣ ( ٥٩ ) :
و " تلك " إشارة إلى المكان الذي عاش فيه قوم عاد ؛ لأن الإشارة هنا لمؤنث، ولنتذكر أن المتكلم هنا هو الله سبحانه وتعالى.
وهكذا فصل بين " عاد " المكان، و " عاد " المكين، وهم قوم عاد ؛ لذلك قال سبحانه : جحدوا بآيات ربهم.. ( ٥٩ ) فهم قد ذهبوا وبقيت آثارهم.
و " عاد " إما أن تطلق على المكان والمحل، وإما أن تطلق على الذوات التي عاشت في المكان، فإذا أشار سبحانه ب تلك فهي إشارة إلى الديار، والديار لم تجحد بآيات الله ؛ ولذلك جاء بعدها بقوله تعالى : جحدوا بآيات ربهم.. ( ٥٩ ) [ هود ] : والجحود هو النكران مع قوة الحجة والبرهان.
والآيات-كما نعلم- جمع آية، وهي الأمور العجيبة الملفتة للنظر التفاتا يوحي بإيمان بما تنص عليه.
ومن الآيات ما يدل على قمة العقيدة، وهو الإيمان بواجب الوجود ؛ بالله الرب الخالق الحكيم القادر سبحانه وتعالى، مثل آيات الليل والنهار والشمس والقمر، ورؤية الأرض خاشعة إلى آخر تلك الآيات التي في القمة.
وكذلك هناك آيات أخرى تأتي مصدقة لمن يخبر أنه جاء رسولا من عند الله تعالى، وهي المعجزات.
وآيات أخرى فيها الأحكام التي يريدها الله سبحانه بمنهجه لضمان صحة حركة الحياة في خلقه.
وقوم عاد جحدوا بكل هذه الآيات ؛ جحدوا الإيمان، وجحدوا تصديق الرسول بالمعجزة، وأهملوا وتركوا منهج الله جحودا بإعراض٤.
لذلك يقول الحق سبحانه : وعصوا رسله.. ( ٥٩ ) [ هود ] : وهود عليه السلام هو الذي أرسله الحق سبحانه إلى قوم عاد، فهل هو المعني بالعصيان هنا ؟
نقول : لا ؛ لأن الله عز وجل قال : وإذ أخذ الله ميثاق٥ النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه.. ( ٨١ ) [ آل عمران ].
إذن : فكل أمة من الأمم عندها بلاغ من رسولها بأن تصدق أخبار كل رسول يرسل.
ولذلك قال الحق سبحان : كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله... ( ٢٨٥ ) [ البقرة ] : فهم قد انقسموا إلى قسمين : لأن الحق سبحانه يقول : .. وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد٦ ( ٥٩ ) [ هود ] : أي : أن هناك متبعا، ومتبعا.
والمقصود بالجبار العنيد هم قمم المجتمع، سادة الطغيان والصنف الثاني هم من اتبعوا الجبابرة.
ومن رحمته سبحانه أنه حين يتكلم عن الفرق الضالة، فهو يتكلم أيضا عن الفرق المضلة، فهناك ضال في ذاته، وهناك مضل لغيره.
والمضل لغيره عليه وزران٧ : وزر ضلاله في ذاته، ووزر إضلال غيره٨.
أما الذين اتبعوا فلهم بعض العذر ؛ لأنهم اتبعوا بالجبروت والقهر، لا بالإقناع والبينة.
وانظر إلى القرآن الكريم حين يعالج هذه القضية، فيتحدث عن الفئة التي ضلت في ذاتها ويقول :{ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني٩ وإن هم إلا يظنون ( ٧٨ ) [ البقرة ].
ويتحدث الحق سبحانه بعد ذلك عن الفئة المضلة فيقول : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا... ( ٧٩ ) [ البقرة ].

١ -جحد الحق يجحده جحودا: أنكره، وهو يعلمه، وجحد النعمة: أنكرها ولم يشكرها، وجحد الآية: كفر بها. قال تعالى: .. ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (٣٣) [الأنعام] [القاموس القويم]..
٢ - جاءت (رسل) هنا بصيغة الجمع، لا المفرد، قال القرطبي في تفسيره (٤/٣٣٧٣): "يعني هودا وحده، لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سواه، ونظيره قوله تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات..(٥١) [المؤمنون]. يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يكن في عصره رسول سواه، وإنما جمع هذا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل. وقيل: عصوا هودا والرسل قبله، وكانوا بحيث لو أرسل إليهم ألف رسول لجحدوا الكل"..
٣ - جبار: المتكبر والعنيد: الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له. [تفسير القرطبي ٤/٣٣٧٣]..
٤ - الجحود لا يتأتى إلا عند إغلاق القلب وشرود الفكر وضعف النفس..
٥ - الميثاق والموثق: العهد المؤكد. قال تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به..(٧) [المائدة] أي: عهده الذي عاهدكم عليه وألزمكم الوفاء به. [القاموس القويم ٢/ ٣١٩]..
٦ - العنيد: صيغة مبالغة. قال تعالى: واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (١٥) [إبراهيم [القاموس القويم] ص ٣٩٠ جـ٢..
٧ - الوزر: الحمل الثقيل والذنب، وجزاء الذنب وعقوبته، والهم والكرب، قال تعالى: .. فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (١٠٠) [طه] أي: حملا ثقيلا هو ذنبه أو جزاء ذنبه، وقوله تعالى: ووضعنا عنك وزرك (٢) [الشرح] أي: همك الذي أتعبك وهو هم البحث عن الدين الحق، فلما جاءته الرسالة زالت هموم نفسه وبدأ يعمل للإسلام في نشاط وهمة لا يحمل إلا هم أمته، أو يكون الوزر هو الذنب الذي كنت تراه ذنبا لشدة حبك لله وخوفك إياه، وقد وضعه عنك وغفره لك. قال تعالى: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر..(٢) [الفتح] فالرسول صلى الله عليه وسلم يرى الهفوات الصغيرة ذنوبا كبيرة فوضعها الله عنه بالمغفرة [القاموس القويم ٢/٣٣٣]..
٨ - قال تعالى عن الذين يضلون غيرهم: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (٢٥) [النحل]، وقال تعالى عن الكافرين: وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون (١٣) [العنكبوت] والأثقال هي الذنوب، ويحملون أثقال من أضلوهم فاتبعوهم في ضلالهم [راجع: القاموس القويم، مادة ثقل]..
٩ - الأماني: جمع أمنية، وهي ما يرغب الإنسان فيه من الخير، فعلمهم من الكتاب ليس أماني كاذبة في دخول الجنة دون أن يصدقها عملهم، ولذلك قال تعالى: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب.. دخول الجنة دون أن يصدقها عملهم، ولذلك قال تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب (١٢٣) [النساء]. [القاموس القويم ٢/٢٣١] بزيادة يقتضيها المقام..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير