ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

وجلسوا في منازلهم ثلاثة أيام١ ثم جاءهم العذاب.
ولقائل أن يقول : ولم الإمهال بثلاثة أيام ؟
ونقول : إن العذاب إذا جاء فالألم الحسي ينقطع من المعذب، ويشاء الله تعالى أن يعيشوا في ذلك الألم طوال تلك المدة حتى يتألموا حسيا، وكل يوم يمر عليهم تزداد آلامهم من قرب الوعيد الذي قال فيه الله تعالى : ... وعد غير مكذوب ( ٦٥ ) [ هود ] : الحق سبحانه هو الذي يعد، وهو القادر على إنفاذ الوعد، ولا تقوم قوة أمامه ؛ لذلك فهو وعد صادق غير مكذوب.
على عكس الإنسان منا حين يعد بشيء، فمن الممكن أن يأتي وقت تنفيذ الوعد ولا يستطيع.
لذلك يقول لنا الحق سبحانه : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ( ٢٣ ) إلا أن يشاء الله ( ٢٤ ) [ الكهف ] : لأنك إن قلت : " أفعل ذلك غدا "، وتعد إنسانا بلقائه لكذا وكذا ؛ فقل " " إن شاء الله " ؛ لأن الله تعالى لا يمنع ترتيب أمور لزمن يأتي، وإنما يجب أن يردف من يرتب الأمور " بمشيئة القوي القادر " حتى إذا لم ينجز ما وعد به ؛ يكون قد خرج عن الكذب، لأن الله تعالى لم يشأ، لأن الإنسان إذا وعد، فهو لا يعتمد على إرادته، ولكن مشيئة الله تعالى تعلو كل شيء.
والفعل- كما نعلم- يقتضي فاعلا، ومفعولا، وزمنا، وسببا، دافعا، وقدرة تمكن الإنسان من الفعل، فهل يملك أحد شيئا من كل هذا ؟
إن الإنسان لا يملك نفسه أن يعيش إلى الغد، ولا يملك من يعده أن يوجد غدا حتى يلقاه، ولا يملك أن يظل السبب سببا للقاء ؛ فربما انتهى السبب ولا يملك حين تجتمع الأسباب كلها أن توجد له قدرة وقوة على إنفاذ السبب.
إذن : فإذا قال : " أفعل ذلك غدا مع فلان " ؛ يكون قد جازف وتكلم في شيء لا يملك عنصرا واحدا من عناصره، فقل : " إن شاء الله " أي : أنك تستعين بمشيئة من يملك كل هذه العناصر.
ويعطي الحق سبحانه في كل لقطة إيمانية من اللقطات، قدرته على خلقه فهو سبحانه القائل : فعقروها٢ فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ( ٦٥ ) [ هود ] :
وقوله : في داركم لأن من هؤلاء الذين كفروا قوما في مكان يختلف عن مكان آخر يوجد به أيضا قوم كافرون، ومنهم المسافر، ومنهم العائد من سفر، فتتبعهم العذاب حيثما كانوا، فلم ينزل على مكان واحد، إنما نزل على المكين منهم في أي مكان.
ولم ينتج من هذه المسألة إلا واحد اسمه " أبو رغال " ٣، وكان يحج إلى بيت الله، فلم يتبعه عذابه في بيت الله ؛ لأن الله سبحانه طلب منا نحن عباده أن نؤمن من دخل بيته، فهو سبحانه وتعالى أولى بأن يؤمن من دخل البيت الحرام٤، وظل الحجر الذي سيضرب به، أو الصيحة التي كان عليها أن تأخذه، ظلت إلى أن خرج من الحرم فوقعت عليه.. وعم العذاب الكافرين من قوم صالح، وتتبع من في الديار إلا هذا الرجل، وما إن خرج من البيت الحرام حتى وقع عليه العذاب٥.
ولذلك كان قاتل الأب أو الإنسان الذي عليه دم نتيجة أنه ارتكب جريمة قتل، إذا ما دخل البيت الحرام فهو يؤمن إلى أن يخرج، وكانوا يضيقون عليه، فلا يطعمه أحد، ولا يسقيه أحد ليضطر إلى الخروج، فيتم القصاص منه بعد خروجه من البيت الحرام، ولتظل حرمة البيت الحرام مصانة.
ونحن نعلم أن الحق سبحانه أراد من تحريم القتال في البيت الحرام، صيانة وتكريما للكرامة الإنسانية.
ونحن نعلم أيضا أن كل حدث من الأحداث يقتضي زمانا، ويقتضي مكانا.
وكان العرب دائمي الغارات على بعضهم البعض، فأراد الحق سبحانه أن يوجد مكان يحرم فيه القتال ؛ فخص البيت الحرام بذلك، وأراد سبحانه أن يوجد زمان يحرم فيه القتال ؛ فكانت الأشهر الحرم ؛ لأن الحرب قد تكون سجالا٦ بين الناس وتوقظ فيهم الحمية والأنفة٧ والعزة.
وكل واحد منهم يحب في ذاته أن ينتهي من الحرب، ولكنه لا يحب أن يجبن أمام الناس، فأراد الحق سبحانه أنه يجعل لهم شيئا يتوارون فيه من الزمان ومن المكان، فحرم القتال في الأشهر الحرم.
وما إن تأتي الأشهر الحرم حتى يعلن المقاتل من هؤلاء : لولا الأشهر الحرم لكنت قد أنزلت بخصمي الهزيمة الساحقة، وهو يقول ذلك ليداري كبرياءه ؛ لأنه في أعماقه يتمنى انتهاء الحرب.
وكذلك حين يدخل مقاتل إلى البيت الحرام، هنا يقول من كان يحاربه : لو لم يدخل الحرام ؛ لأذقته عذاب الهزيمة.
وبمضي الزمان وبالمكث في المكان ينعم الناس بالأمن والسلام، وربما عشقوه فانتهوا من الحرب.

١ - ذكر القرطبي في تسفيره (٤/٣٣٧٩] أن عقرها كان يوم الأربعاء، فأقاموا يوم الخميس والجمعة والسبت. وأتاهم العذاب يوم الأحد. وإنما قاموا ثلاثة أيام، لأن الفصيل رغا ثلاثا، فصفرت ألوانهم في اليوم الأول، ثم احمرت في الثاني، ثم اسودت في الثالث. وهلكوا في الرابع. وانظر تفسير ابن كثير [٢/٢٢٩].
٢ - العقر: أصل كل شيء، وعقرته-من باب نصر:: أصبتم عقره كقوله تعالى: فعقروا الناقة..(٧٧) [الأعراف] أصابوها إصابة قائلة، أي: نحروها، وعقرت المرأة: أصيبت بالعقم، فهي لا تلد فهي عاقر، قال تعالى: وكانت امرأتي عاقرا...(٥) [مريم]..
٣ - عن جابر بن عبد الله قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال" "لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت- يعني: الناقة- ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله بها من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله، فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه" أخرجه أحمد في مسنده [٣/٢٩٦] والحاكم في مستدركه [٢/٣٢٠، ٥٦٧] وصحح إسناده. قال الهيثمي [٧/٥٠]: رجال أحمد رجال الصحيح، قلت: هم أيضا رجال الإسناد الأول..
٤ - يقول رب العزة سبحانه: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (٩٦) فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا...(٩٧) [آل عمران] أي: يكون آمنا مطمئنا لا يخاف على نفسه أو ماله، ولذلك قال تعالى: أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم..(٦٧) [العنكبوت]..
٥ - ذكر ابن كثير في تفسيره [٢/٢٢٩] "أن جارية كانت مقعدة واسمها كلبة ابنة السلق ويقال لها: الذريعة. وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح عليه السلام، فلما رأت ما رأت من العذاب أطلعت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع من شيء، فأتت حيا من الأحياء فأخبرتهم بما رأت وما حل بها ثم استسقتهم من الماء فلما شربت ماتت"..
٦ - الحرب بينهم سجال: أي: نصرتها بينهم متداولة، مرة لهم، وأخرى عليهم. [المعجم الوسيط] بتصرف..
٧ - الأنفة: العزة والحمية والكرامة. [المعجم الوسيط] بتصرف..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير