وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ) قيل: كفروا نعمة ربهم، أو كفروا بآيات ربهم، فذلك كله كفر باللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ) أي: ألا بعدًا لثمود من رحمة اللَّه.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى): اختلفوا في هذه البشارة؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: جاءوا هم ببشارة إسحاق والحافد. وهو قوله: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: جاءوا ببشارة إهلاك قوم لوط وإنجاء لوط وأهله، قيل: لأن لوطا كان ابن أخي إبراهيم، وكان لوط فزع إلى اللَّه بسوء عمل قومه وصنيعهم ودعا بالنجاة منهم، وهو قوله: (إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ...) الآية، حتى ذكر في بعض القصة أن سارة قالت لإبراهيم: ضم ابن أخيك إلى نفسك فإن قومه يعذبون، كأنها عرفت أنه لا يتركهم على ما هم عليه بسوء عملهم. قالوا: جاءوا بالبشارتين جميعًا: ببشارة الولد والحافد، وبشارة هلاك قوم لوط ونجاة لوط وأهله؛ إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ): هذا يدل أن السلام هو سنة الأنبياء والرسل والملائكة في الدنيا والآخرة، ولم تخص هذه الأمة به بل كان سنة الرسل الماضية والأمم السالفة وكذلك هو تحية أهل الجنة لقوله: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ)، ونحوه، هذا يدل على ما ذكرنا.
ثم انتصاب قوله: (سَلَامًا) وارتفاع الثاني؛ لأن الأول انتصب لوقوع القول عليه كقولك: قال قولا، والثاني حكاية لقولهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ).
وقوله: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ) أي: ما لبث عندهم حتى اشتغل بتقديم شيء إليهم، وإلا قد يكون في ذبح العجل وشويه لبث إلا أن يكون العجل مشويًّا، فإن لم يكن مشويّا فتأويله ما ذكرنا أن لم يلبث عندهم في المؤانسة والحديث معهم على ما يفعل مع الأضياف حتى جاء بما ذكر، وفيه ما ذكرنا من الأدب، وفيه دلالة فيمن نزل به ضيف ألا يشتغل بالسؤال عن أحوال ضيفه من أين وإلى أين؟ وما حاجتهم؟ ولكن يشتغل بقراهم وإزاحة حاجتهم؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - إنما اشتغل بقراهم، لم يشتغل بالسؤال عن أحوالهم، ولكن اشتغل بما ذكرنا فجاء بعجل حنيذ، وهذا هو الأدب في الضيف، ألا ترى أنه لو كان سأل عن أحوالهم، فعرف أنهم من الملائكة لكان لا يشتغل بما ذكر؛ إذ عرف أنهم من الملائكة والملائكة لا يتناولون شيئًا من الطعام.
وقوله: (بِعِجْلٍ حَنِيذٍ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: الحنيذ: السمين، وهو ما ذكر في موضع آخر: (فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحنيذ هو المشوي الذي خد في الأرض خدًّا، فحمي فشوي بالحجر المحمي.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحنيذ هو المشوي الذي يسيل منه الماء.
وقال ابن عَبَّاسٍ: الحنيذ: النضيج.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم