يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك :
واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود١ ( ٩٠ ) :
وهذه الآية تبين لنا أن الحق سبحانه لا يغلق أمام العاصي- حتى المصر على شيء من المعصية- باب التوبة.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط٢ على بعيره وقد أضله في أرض فلاة٣ )٤.
ولنا أن نتخيل بماذا يشعر من فقد بعيره ؛ وهذا البعير يحمل زاد صاحبه ورحله ؛ ثم يعثر الرجل على بعيره هذا.
لابد -إذن- أن يفرح صاحب البعير بالعثور عليه.
والحق سبحانه يقول هنا ما جاء على لساء شعيب –عليه السلام- لقومه : واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه... ( ٩٠ ) [ هود ] : ومادمتم ستستغفرونه عن الذنوب الماضية ؛ وتتوبون إليه ؛ بألا تعودوا إلى ارتكابها مرة أخرى ؛ فالحق سبحانه لا يرد من قصد بابه : .. إن ربي رحيم ودود ( ٩٠ ) لأن مغفرته تستر العذاب، ورحمته تمنع العذاب.
وجاء الحق سبحانه هنا بأوسع المعاني : المغفرة، والرحمة، ومعهما صفته " الودود " ؛ وهي من الود ؛ والود هو الحب ؛ والحب يقتضي العطف على قدر حاجة المعطوف عليه.
ولله المثل الأعلى : نرى الأم ولها ولدان : أولهما قادر ثري يأتي لها بما تريد ؛ وثانيهما ضعيف فقير ؛ فنجد قلب الأم- دائما- مع هذا الضعيف الفقير ؛ وتحنن قلب القوي القادر على الفقير الضعيف.
ونجد المرأة العربية القديمة تجيب على من سألها : أي أبنائك أحب إليك ؟ فتقول : الصغير حتى يكبر ؛ والغائب حتى يعود ؛ والمريض حتى يشفى.
إذن : فالحب يقتضي العطف على قدر الحاجة.
ويقول الحق سبحانه في الحديث القدسي :( يا بان آدم ؛ لا تخافن من ذي سلطان ؛ مادام سلطاني باقيا ؛ وسلطاني لا ينفد٥ أبدا. يا بن آدم لا تخش من ضيق رزق ؛ وخزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبدا. يا بن آدم خلقتك للعبادة ؛ فلا تلعب، وضمنت لك رزقك فلا تتعب، فوعزتي وجلالي إن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك ؛ وكنت عندي محمودا ؛ وإن أنت لم ترض بما قسمته لك ؛ فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض٦ الوحوش في البرية٧ ؛ ثم لا يكون ذلك منها إلا ما قسمته لك. يا ابن آدم خلقت السماوات والأرض ولم أعي٨ بخلقهن ؛ أيعييني رغيف عيش أسوقه لك ؟ يا بن آدم لا تسألني رزق غد كما أطلب منك عمل غد، يا بن آدم أنا لك محب ؛ فبحقي عليك كن لي محبا ).
وهذا الحديث الكريم يبين مدى مودة الله سبحانه لخلقه ؛ تلك المودة التي لا تستوعبها القلوب المشركة.
٢ - سقط على بعيره: أي: صادفه وعثر عليه من غير قصد فظفر به، ومنه قولهم: على الخبير سقطت، قاله ابن حجر العسقلاني في فتح الباري [١١/١٠٨]..
٣ - الفلاة: الصحراء ليس بها ماء ولا أنيس، وهي: القفر من الأرض لأنها فليت عن كل خير أو فطمت وعزلت [لسان العرب]..
٤ - متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه [٦٣٠٨، ٦٣٠٩] وأخرجه مسلم في صحيحه [٢٧٤٤] عن عبد الله بن مسعود. واللفظ للبخاري..
٥ - لا ينفد: لا ينتهي، ونفد ينفد نفدا ونفادا: فني وانقطع ولم يبق منه شيء. قال تعالى: ما عندكم ينفد وما عند الله باق..(٩٦) [النحل]. وقال تعالى: إن هذا لرزقنا ما له من نفاذ (٥٤) [ص]. أي: أنه رزق دائم لا انقطاع له. [القاموس القويم]..
٦ - الركض: الجري والعدو. قال تعالى: فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (١٢) [الأنبياء] أي: يجرون ويفرون كناية عن الفزع والخوف الشديد. والركض: الضرب بالرجل، قال تعالى: اركض برجلك..(٤٢) [ص] أي: اضرب بها. [القاموس القويم]..
٧ - البرية: الصحراء، والجمع: البراري، والبر: ضد البحر. [راجع: مختار الصحاح- مادة: برر]..
٨ - لم أعيى بخلقهن: لم أعجز عنه ولم أطق إحكامه، والإعياء: الكلال والتعب، [من لسان العرب]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي