ﭖﭗ

الله الصمد ٢ قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير : الصمد الذي لا خوف له، كذا أخرج ابن جرير عن بريدة لا أعلمه إلا قد رفعه، قلت : لعله مجاز مما لا ينفذ إليه العقول والأوهام، ولا يدركه الإفهام، وقال الشعبي : الذي لا يأكل ولا يشرب، وقيل : تفسيره ما بعده، ولذا روى أبو العالية عن أبي بن كعب، وقال أبو الوائل شقيق بن سلمة : هو السيد الذي قد انتهى سؤدده، وهي رواية عن أبي طلحة عن ابن عباس، يعني الذي قد كمل في جميع أنواع السؤدد، وعن سعيد بن جبير : هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله، وقيل : هو السيد المقصود في الحوائج.
قال السدي : هو المقصود في الحوائج. قال السدي : هو المقصود إليه في الرغائب، المستغاث به عند المصائب، يقال : صمدته إذا قصدته.
قال قتادة : الصمد الباقي بعد فناء خلقه.
وقال عكرمة : الصمد الذي ليس فوقه أحد، وهو قول علي رضي الله عنه.
وقال الربيع : الصمد الذي لا يعتريه الآفات.
قال مقاتل بن حبان : الذي لا عيب فيه.
قلت : وعندي معناه الحقيقي المقصود، قال في القاموس : الصمد القصد -بالتحريك- السيد ؛ لأنه يقصد، وإدخال اللام عليه لإفادة كونه في أجل درجات الصمدية وأعلاها وأكملها، فإن الناس قد يقصدون غير الله سبحانه من الدنيا وما فيها لفساد رأيهم، وعدم اهتدائهم إلى مرتبة حق اليقين، فكل ما ذكر في أقوال السلف من المعاني فهي تعبيرات عن لوازمه ؛ لأن المقصود على الإطلاق من يحتاج كل ما عداه إليه، ولا يحتاج هو إلى غيره في شيء من الأشياء، فيكون البتة جامعا لجميع الكمالات وأنواع السؤدد، ومنزها عن العيوب وأن تعتريه الآفات، غير محتاج إلى الأكل والشرب، قديما بما لم يولد، غير مجانس لأحد حتى يلد مثله، لا يكون فوقه ؛ بل ليس مثله أحد، فيكون البتة بحيث لا ينفذ إليه فهم وإدراك، ولما كانت الجملة السابقة تغنيه عن هذه الجملة، وعن الجمل الثلاث اللاحقة، وهذه الجملة وما بعدها كالتأكيد للأولى، أوردت لزيادة الاهتمام من قبيل إيراد الخاص بعد العام للمبالغة في التنزيه والتصريح بالرد على المخاطبين المنكرين المشركين في القصد والعبادة غيره تعالى، القائلين باتخاذ الله تعالى البنات والبنين وغيرهم لم يذكر العطف على هذه الجملة، ولا على ما بعدها، وكرر اسم الله تعالى للإشعار بأن من لم يتصف به لم يستحق الألوهية، وأن المقصد يجب كأن لا يكون غيره تعالى، ومن ثم قالت الصوفية معنى لا إله إلا الله لا مقصود إلا الله، وقالوا : ما هو مقصد لك فهو معبود لك، فإن المرء لا يزال يلقي نفسه في كمال التذلل لتحصيل مقصوده، والعبادة عبارة عن كمال التذلل، فالصوفية العلية يذكرون النفي والإثبات مع ملاحظة نفي مقصودية ما عدا الله، ويجتهدون فيه غاية الاجتهاد، حتى يزول عن صدورهم كون غيره تعالى مقصود بوجه من الوجوه، والله المسير لكل عسير.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير