الله الصمد قال ابن عباس : الصمد الذي لا جوف له، وبه قال جماعة من المفسرين، ووجه ذلك من حيث اللّغة أن الصّمد الشيء المصمد الصّلب الذي ليس فيه رطوبة، ولا رخاوة، ومنه يقال لسداد القارورة الصماد. فإن فسر الصمد بهذا كان من صفات الأجسام، ويتعالى الله جلّ وعزّ عن صفات الجسمية، وقيل : وجه هذا القول إن الصمد الذي ليس بأجوف، معناه هو الذي لا يأكل، ولا يشرب، وهو الغني عن كل شيء، فعلى هذا الاعتبار هو صفة كمال، والقصد بقوله : الله الصّمد التّنبيه على أنه تعالى بخلاف من أثبتوا له الإلهية، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام [ المائدة : ٧٥ ]، وقيل : الصّمد الذي ليس بأجوف : شيئان أحدهما دون الإنسان، وهو سائر الجمادات الصّلبة، والثاني أشرف من الإنسان وأعلى منه، وهو البارئ جل وعز.
وقال أبي بن كعب : الصمد الذي لم يلد، ولم يولد ؛ لأن من يولد سيموت، ومن يموت يورث منه.
وروى البخاري في أفراده عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال : الصّمد هو السّيد الذي انتهى سؤدده، وهي رواية عن ابن عباس، أيضاً قال : هو السيد الذي كمل فيه جميع أوصاف السؤدد، وقيل : هو السيد المقصود في جميع الحوائج، المرغوب إليه في الرغائب، المستعان به عند المصائب وتفريج الكرب. وقيل : هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله، وتلك دالة على أنه المتناهي في السؤدد والشرف، والعلو والعظمة، والكمال والكرم والإحسان.
وقيل : الصمد الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل : الصمد الذي ليس فوقه أحد، وهو قول علي، وقيل : هو الذي لا تعتريه الآفات، ولا تغيره الأوقات. وقيل : هو الذي لا عيب فيه، وقيل : الصمد هو الأول الذي ليس له زوال، والآخر الذي ليس لملكه انتقال. والأولى أن يحمل لفظ الصمد على كل ما قيل فيه ؛ لأنه محتمل له، فعلى هذا يقتضي أن لا يكون في الوجود صمد سوى الله تعالى العظيم القادر على كل شيء، وأنه اسم خاص بالله تعالى انفرد به، له الأسماء الحسنى، والصّفات العليا ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير [ الشورى : ١١ ].
لباب التأويل في معاني التنزيل
أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي