ﭖﭗ

اللهُ الصمدُ وهو فَعَلٌ بمعنى مفعول، من : صمد إليه : إذا قصده، أي : هو السيّد المصمود إليه في الحوائج، المستغني بذاته عن كل ما سواه، المفتقِر إليه كلُّ ما عداه، افتقاراً ضرورياً في كل لحظة ؛ إذ لا قيام للأشياء إلاّ به. أو الصمد : الدائم الباقي الذي لم يزل، ولا يزال، أو : الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، والذي يُطْعِم ولا يُطْعَم، ولا يأكل ولا يشرب، أو : الذي لا جوف له، وتعريفه لعلمهم بصمديته، بخلاف أحديته.
وتكرير الاسم الجليل، للإشعار بأنَّ مَن لم يتصف بذلك فهو بمعزلٍ عن استحقاق الألوهية، والتلذُّذ بذكره. وتعرية الجملة عن العاطف ؛ لأنها كالنتيجة عن الأولى، بيَّن أولاً ألوهيته عزّ وجل، المستوجبة لجميع نعوت الكمال، ثم أحديته الموجبة لتنزّهه عن شائبة التعدد والتركيب بوجهٍ من الوجوه، وتوهم المشاركة في الحقيقة وخواصها، ثم صمديته المقتضية لاستغنائه الذاتي عما سواه، وافتقار المخلوقات إليه في وجودها وبقائها وسائر أحوالها، تحقيقاً للحق، وإرشاداً إلى التعلُّق بصمديته تعالى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد اشتملت السورةُ على التوحيد الخاص، أعني : توحيد أهل العيان، وعلى التوحيد العام، أعني : توحيد أهل البرهان، فالتوحيد الخاص له مقامان : مقام الأسرار الجبروتية، ومقام الأنوار الملكوتية، فكلمة ( هو ) تُشير إلى مقام الأسرار اللطيفة الأصلية الجبروتية.
و( الله ) يشير إلى مقام الأنوار الكثيفة المتدفقة من بحر الجبروت ؛ لأنّ حقيقة المشاهدة : تكثيف اللطيف، وحقيقة المعاينة : تلطيف الكثيف، فالمعاينة أرقّ، فشهود الكون أنواراً كثيفة فاضت من بحر الجبروت مشاهدة، فإذا لَطَّفها حتى اتصلت بالبحر اللطيف المحيط، وانطبق بحر الأحدية على الكل سُميت معاينةً، ووصفه تعالى بالأحدية والصمدية والتنزيه عن الولد والوالد يحتاج إلى استدلال وبرهان، وهو مقام الإيمان، والأول مقام الإحسان، فالآية من باب التدلي.
قال القشيري : يقال : كاشَفَ تعالى الأسرارَ بقوله ( هو )، والأرواحَ بقوله :( الله )، وكاشف القلوبَ بقوله :( أحد )، وكاشف نفوسَ المؤمنين بباقي السورة. ويُقال : كاشف الوالهين بقوله :( هو )، والموحِّدين بقوله :( الله )، والعارفين بقوله :( أحد )، والعلماء بالباقي، ثم قال : ويُقال : خاطب خاصة الخاص بقوله :( هو ) فاستقلوا، ثم خاطب الخواص بقوله ( الله ) فاشتغلوا، ثم زاد في البيان لمَن نزل عنهم، فقال :( أحد )، ثم نزل عنهم بالصمد، وكذلك لمَن دونهم. هـ. وقال في نوادر الأصول : هو اسم لا ضمير، من الهوية، أي : الحقيقة. انظر بقية كلامه.
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان العارف : والحاصل : أنَّ الإشارة بـ " هو " مختصة بأهل الاستغراق والتحقُّق في الهوية الحقيقة، فلانطباق بحر الأحدية عليهم، وانكشاف الوجود الحقيقي لديهم، فقدوا مَن يشار إليه إلاّ هو ؛ لأنّ المُشار إليه لمّا كان واحداً كانت الإشارة مطلقة لا تكون إلاّ إليه، لفقد ما سواه في شعورهم، لفنائهم عن الرسوم البشرية بالكلية، وغيبتهم عن وجودهم، وعن إحساسهم وأوصافهم الكونية، وذلك غاية في التوحيد والإعظام. منحنا اللهُ ذلك على الدوام، وجعلنا من أهله، ببركة نبيه عليه الصلاة والسلام. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير