ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

ويقال «هَزَأ بفلان» أي: سخر منه، أما «اسْتُهزِئ بفلان» أي: طُلِب من الغير أنْ يهزأ بشخص معين، وهذا عليه إثمه وإثم مَنْ أوعز له بالسخرية من هذا الشخص.

صفحة رقم 7350

وقول الحق سبحانه: وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ... [الرعد: ٣٢]
أي: لستَ بِدعاً يا محمد في أن يقف بعض الكافرين منك هذا الموقف. والمثَلُ هو الحَكَم بين أبي العاص أبو مروان الذي كان يُقلِّد مشية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ وكان رسول الله يمشي كأنما يتحدَّر من صبب؛ وكان بصره دائماً في الأرض.
«ولم يكن الناس مُعْتادين على تلك المِشْية الخاشعة؛ فقد كانوا يسيرون بغرور مستعرضين مناكبهم.
وحين قَلَّد الحَكَمُ رسول الله رآه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بنور البصيرة، فقال له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:»
كُنْ على هذا «، فصارت مِشْيته عاهة، بينما كانت مِشْية رسول الله تطامناً إلى ربه، وتواضعاً منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ونفَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الحَكَم إلى الطائف؛ وراح يَرْعى الغنم

صفحة رقم 7351

هناك، ولم يَعْفُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عنه؛ وكذلك أبو بكر في خلافته؛ ولا عمر بن الخطاب؛ ولكن الذي عفا عنه هو عثمان بن عفان، وكان قريباً له.
وشهد عثمان بن عفان وقال:» والله لقد استأذنتُ رسول الله فيه فقال لي: إن استطعت أن تعفوَ عنه فَاعْفُ، وحين وَلِيتُ أمرَ المسلمين عَفَوْتُ عنه «.
وحدث من بعد ذلك أن تولَّى عبد الملك بن مروان أمر المسلمين؛ وكان لابنه الوليد خَيْل تتنافس مع خيل أولاد يزيد بن معاوية؛ واحتال أولاد يزيد بالغش، ووضعوا ما يُعرقِل خَيْل الوليد.
وحدث خلاف بين الفريقين فشتم الوليدُ أبناء يزيد؛ فذهب أولاد يزيد إلى عبد الملك يشكُون له ولده؛ وكان الذي يشكو لا يتقن نُطْق العربية دون أخطأ؛ فقال له عبد الملك: مَا لَكَ لا تقيم لسانك من اللحْن؟ فردَّ الذي يشكو ساخراً:»
والله لقد أعجبتْنِي فصاحةُ الوليد «. ويعني: أن حال لسان ابن عبد الملك لا يختلف عن حال

صفحة رقم 7352

لسان مَنْ يشكو؛ فكلاهما لا ينطق بِسَلاسَة، ويكثر اللحْنَ في النُّطْق بالعربية.
فقال عبد الملك: أَتُعيِّرني بعبد الله ابني الذي لا يُتقِن العربية دون لَحْن؟ إن أخاه خالداً لا يلحن. وتبع ذلك بقوله: اسكُتْ يا هذا، فلستَ في العِير ولا في النَّفِير.
وهذا مَثَلٌ نقوله حالياً، وقد جاء إلينا عَبْر قريش؛ حيث كانت السلطةُ فيها ذات مَصْدرين؛ مصدر العِير؛ أي: التجارة التي تأتي من القوافل عَبْر الشام وقائدها أبو سفيان؛ والنَّفِير؛ وهم القَوْم الذين نَفَرُوا لِنجْدةِ أبي سفيان في موقعة بدر؛ وكان يقودهم عتبة.
فقال ابن يزيد: ومَنْ أَوْلَى بالعِير والنَّفِير منِّي؟ ويعني أنه حفيدُ أبي سفيان من ناحية الأب؛ وحفيدُ عُتْبة من ناحية الأم.
وأضاف: لكن لو قُلْت شُوَيْهات وغُنَيْمات وذكرت الطائف لكنتَ على حق؛ ورَحِم الله عثمان الذي عفَا عن جَدِّك، وأرجعه من المَنْفى.
ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قال لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إِنَّا كَفَيْنَاكَ المستهزئين [الحجر: ٩٥]
وكان أيّ إنسان يسخر من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يَلْقَى عقاباً إلهياً.
وهنا يقول الحق سبحانه: وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد: ٣٢]

صفحة رقم 7353

فأنت يا رسول الله لستَ بِدْعاً في الرسالة، ولك أسوة في الرسالة، والحق سبحانه يَعِدُكَ هنا في مُحْكَم كتابه: فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ... [الرعد: ٣٢]
أي: أمهلتُ الذين كفروا، والإملاء بمعنى الإمهال ليس معناه تَرْك العقوبة على الذَّنْب، وإنما تأخير العقوبة لذنب قادم، والمَثَل هو أن تترك مخطئاً ارتكبَ هَفْوة؛ إلى أنْ يرتكب هَفْوة ثانية؛ ثم ثالثة، ثم تُنْزِل به العقاب من حيثُ لا يتوقع.
وإذا كان هذا ما يحدث في عالم البشر؛ فما بَالُنا بقوة الحق سبحانه اللامتناهية، وهو القائل: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٢]
ويقول تعالى: وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [آل عمران: ١٧٨]
تماماً مِثْلما نجد مَنْ يصنع فَخّاً لعدوه.
وهنا يقول الحق سبحانه: وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد: ٣٢]
وكلمة: ... فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد: ٣٢]
توضح أنه كان عقاباً صارماً؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في موقع آخر:

صفحة رقم 7354

إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٢٩٣٦]
إذن: فلسوْفَ يَلْقَى الذين استهزءوا بالرسل العقاب الشديد.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:
أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ...

صفحة رقم 7355

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

محمد متولي الشعراوي

الناشر مطابع أخبار اليوم
سنة النشر 1991
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية