ربنا إنك تعلم ما نُخفي وما نُعلن أي : تعلم سرنا، كما تعلم علانيتنا. والمعنى : إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا، وأرحم منا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطلب، لكننا ندعوك إظهاراً لعبوديتك، وافتقاراً إلى رحمتك، واستجلاباً لنيل ما عندك. قاله البيضاوي : أي : فيكون مناسباً لحاله في قوله :" علمه بحالي يُغني عن سؤالي ". وقيل : ما نُخفي من وَجْدِ الفرقة، وما نعلن من التضرع إليك والتوكل عليه. وتكرير النداء ؛ للمبالغة في التضرع واللجوء إلى الله تعالى. وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ؛ لأن علمه أحاط بكل معلوم. و " من " : للاستغراق.
وقوله : ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع فيه : تعليم اليقين لمن طلب تربية اليقين. قال الورتجبي : فيه إشارة إلى تربية أهله بحقائق التوكل والرضا والتسليم، ونِعْم التربية ذلك فأعلمنا بسنته القائمة الحنيفية السمحة السهلة، الخليلية الحبيبية، الأحمدية المصطفوية ـ صلوات الله عليهما ـ أن العارف الصادق ينبغي له ألا يكون معوله على الأملاك والأسباب ـ في حياته وبعد وفاته ـ لتربية عياله، فإنه تعالى حسبه، وزاد في تربيتهم بأن يؤدبِّهم بإقامة الصلاة إظهاراً للعبودية، وإخلاصاً في المعرفة، وطلباً للمشاهدة، ومناجاة في القربة بقوله : ربنا ليقيموا الصلاة الخ.
وقال القشيري : أخبر عن صدق توكله وتفويضه، أي : أسكنت قوماً من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع، عند بيتك المحرّم. وإنما رد الرِّفق لهم في الجِوارِ فقال : عند بيتك المحرم ، ثم قال : ليقيموا الصلاة . أي : أسكنتُهم لإقامة حقَّكَ، لا لِطَلَبِ حظوظهم. ويقال : اكتفى بأن يكونوا في ظلال عنايته، عن أن يكونوا في ظلال نعيمهم، ثم قال : قوله : بوادٍ غير ذي زرع أي : أسكنتُهم هذا الوادي، ولا متعلق من الأغيار لقلوبهم، ولا متناول لأفكارهم وأسرارهم، فهم مطروحون ببابِكَ مُقيمون بحضرتك، جار فيهم حُكمك، إن رَاعَيتَهُم كَفَيْتَهم، وكانوا أعَزَّ خلقِ اللهِ، وإن أقصيتهم وأوبقتهم كانوا أضعف وأذلَّ خَلْقِكَ. هـ.
وقوله تعالى : فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم : قال القشيري : ليشتغلوا بعبادتك، فأفُرد قوماً يقومون لهم بكفايتهم، وارزقهم من الثمرات، فإنَّ من قام بحقِّ الله قام الله بحقِّه. فاستجاب الله دعاءَه فيهم، فصارت القلوبُ من أهل كل بَر وبحرٍ كالمجبولة على محبة ذلك البيت، ومحبة أولئك المصلين من سُكانه. وقال الورتجبي : سأل أن يجعلهم مرادي جلاله وجماله، ويجعلهم آية الصادقين والعاشقين، بقوله : فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، تميل بوصف الإرادة والمحبة لك، والاقتداء بهم في إقامة سُنتك، وألبسهم لباس أنوارك، وألق في قلوب خلقك محبتهم بمحبتك. هـ. ومعنى قوله : مرادي جلاله وجماله : أي : مظهراً لجلاله وجماله، يعشقهم البَرُّ والفاجر، والكامل والناقص، فقد ظهر فيهم الجلال والجمال. والله تعالى أعلم.
الإشارة : ينبغي للعبد أن يكون إبراهيمياً، فيدعو بهذا الدعاء على طريق الإشارة، فيقول : رب اجعل هذا القلب آمناً من الخواطر والوساوس، واجنبني وبَنِيَّ، أي : بَعِّدْنِي ومن تعلق بي، أن نعبد الأصنام، التي هي الدنانير والدراهم، وكل ما يُعشق من دون الله، رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فتلفوا في حبها والحرص عليها، فلا فكرة لهم إلا فيهما، ولا شغل لهم إلا جمعهما، فمن تبعني في الزهد فيهما، والغنى بك عنهما، فإنه مني، ومن عصاني، واشتغل بمحبتهما وجمعهما، فإنك غفور رحيم .
وقوله : ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع فيه : تعليم اليقين لمن طلب تربية اليقين. قال الورتجبي : فيه إشارة إلى تربية أهله بحقائق التوكل والرضا والتسليم، ونِعْم التربية ذلك فأعلمنا بسنته القائمة الحنيفية السمحة السهلة، الخليلية الحبيبية، الأحمدية المصطفوية ـ صلوات الله عليهما ـ أن العارف الصادق ينبغي له ألا يكون معوله على الأملاك والأسباب ـ في حياته وبعد وفاته ـ لتربية عياله، فإنه تعالى حسبه، وزاد في تربيتهم بأن يؤدبِّهم بإقامة الصلاة إظهاراً للعبودية، وإخلاصاً في المعرفة، وطلباً للمشاهدة، ومناجاة في القربة بقوله : ربنا ليقيموا الصلاة الخ.
وقال القشيري : أخبر عن صدق توكله وتفويضه، أي : أسكنت قوماً من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع، عند بيتك المحرّم. وإنما رد الرِّفق لهم في الجِوارِ فقال : عند بيتك المحرم ، ثم قال : ليقيموا الصلاة . أي : أسكنتُهم لإقامة حقَّكَ، لا لِطَلَبِ حظوظهم. ويقال : اكتفى بأن يكونوا في ظلال عنايته، عن أن يكونوا في ظلال نعيمهم، ثم قال : قوله : بوادٍ غير ذي زرع أي : أسكنتُهم هذا الوادي، ولا متعلق من الأغيار لقلوبهم، ولا متناول لأفكارهم وأسرارهم، فهم مطروحون ببابِكَ مُقيمون بحضرتك، جار فيهم حُكمك، إن رَاعَيتَهُم كَفَيْتَهم، وكانوا أعَزَّ خلقِ اللهِ، وإن أقصيتهم وأوبقتهم كانوا أضعف وأذلَّ خَلْقِكَ. هـ.
وقوله تعالى : فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم : قال القشيري : ليشتغلوا بعبادتك، فأفُرد قوماً يقومون لهم بكفايتهم، وارزقهم من الثمرات، فإنَّ من قام بحقِّ الله قام الله بحقِّه. فاستجاب الله دعاءَه فيهم، فصارت القلوبُ من أهل كل بَر وبحرٍ كالمجبولة على محبة ذلك البيت، ومحبة أولئك المصلين من سُكانه. وقال الورتجبي : سأل أن يجعلهم مرادي جلاله وجماله، ويجعلهم آية الصادقين والعاشقين، بقوله : فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، تميل بوصف الإرادة والمحبة لك، والاقتداء بهم في إقامة سُنتك، وألبسهم لباس أنوارك، وألق في قلوب خلقك محبتهم بمحبتك. هـ. ومعنى قوله : مرادي جلاله وجماله : أي : مظهراً لجلاله وجماله، يعشقهم البَرُّ والفاجر، والكامل والناقص، فقد ظهر فيهم الجلال والجمال. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي