قوله تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين
المسألة الحادية والخمسون : في مصير من مات من أطفال المسلمين والمشركين قبل البلوغ.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إن أن من مات من أطفال المسلمين والمشركين قبل البلوغ فهو إلى الجنة ؛ لكونه مات على الفطرة، فاستحق الجنة بإيمانه.
قال ابن حزم : اختلف الناس في حكم من مات من أطفال المسلمين والمشركين ذكورهم وإناثهم.
فقالت الأزارقة١ من الخوارج : أما أطفال المشركين ففي النار.
وذهبت طائفة إلى أنه يوقد لهم يوم القيامة نار، ويؤمرون باقتحامها، فمن دخلها منهم دخل الجنة، ومن لم يدخلها منهم أدخل النار.
وذهب آخرون إلى الوقوف فيهم.
وذهب جمهور الناس إلى أنهم في الجنة، وبه نقول.
قال الله تعالى : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ٢ وقال عز وجل : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط إلى قوله لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون إلى قوله : صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون ٣
فنص عز وجل على أنه فطر الناس على الإيمان، وأن الإيمان هو صبغة الله تعالى.
وقال عز وجل : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ٤
فصح أن كل نفس خلقها الله تعالى من بني آدم ومن الجن والملائكة فمؤمنون كلهم، عقلاء مميزون، فإذ ذلك كذلك فقد استحقوا كلهم الجنة بإيمانهم، حاشا من بدل هذا العهد، وهذه الفطرة، وهذه الصبغة، وخرج عنها إلى غيرها، ومات على التبديل، وبيقين ندري أن الأطفال لم يغيروا شيئا من ذلك، فهم أهل الجنة.
وأيضا فإن الله عز وجل أخبر بقول إبليس له تعالى أنه يغوي الناس، فقال تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ٥
فصح أن الغواية داخلة على الإيمان، وأن الأصل من كل واحد فهو الإيمان، وكل مؤمن ففي الجنة. ٦
٢ الروم (٣٠).
٣ البقرة (١٣٦-١٣٨)..
٤ الأعراف (١٧٢)..
٥ الحجر (٤٢)..
٦ الفصل (٤/١٢٧-١٣٥) باختصار..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري