ثم ذكر قصتهم من أولها فقال : ونبئهم عن ضيف إبراهيم ، وذلك حين دخلوا عليه ، وهم أربعة : جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، فقالوا سلاماً أي : نُسلم عليكم سلاماً، قال : سلام، ثم أتاهم بعجل حنيذ، فلما قربه إليهم، قالوا : إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن، فقال إبراهيم : إن له ثمناً، قالوا : وما ثمنه ؟ قال : تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال : حق لهذا أن يتخذه ربه خليلاً، فلما رأى أنهم لا يأكلون فزع منهم. ومن طريق آخر : أن جبريل مسح بجناحه العجْل، فقام يدرج حتى لحق بأمه في الدار. ه. هكذا ذكر القصة المحشي الفاسي عن ابن حجر.
فلما أحس إبراهيم عليه السلام بالخوف منهم قال إنكم منكم وَجِلُون : خائفون ؛ إما لامتناعهم من أكل طعامه، أو لأنهم دخلوا بغير إذن، أو في غير وقت الدخول. والوجل : اضطراب النفس لتوقع مكروه.
ويؤخذ من الآية : أن صحبة الخصوص لا تنفع إلا مع الاعتقاد والتعظيم، فإنَّ امرأة نبي الله لوط كانت متصلة به حساً، ومصاحبة له، ولم ينفعها ذلك، حيث لم يكن لها فيه اعتقاد ولا تعظيم. وكذلك صحبة الأولياء : لا تنفع إلا مع صدق والتعظيم. وقول ابن عطاء الله : سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه. ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه " : مقيد بوصول التعظيم والاعتقاد، والاستماع والاتباع. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي