ﭫﭬﭭﭮﭯ

تفسير المفردات : للمتوسمين : أي المتفرسين الذي يتثبتون في نظرهم ليعرفوا سمة الشيء وعلامته يقال توسمت في فلان خيرا : أي ظهرت لي منه علاماته، قال عبد الله بن رواحة يمدح النبي صلى الله عليه وسلم.
إني توسمت فيك الخير أعرفه والله يعلم أني ثابت البصر
المعنى الجملي : بعد أن ذكر ما أوعد به أهل الغواية في يوم القيامة من دخول جهنم، وذكر أنها دركات لأولئك الغاوين بحسب اختلاف أحوالهم بمقدار ما دنسوا به أنفسهم من اتخاذ الأنداد والشركاء وارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ثم أعقبه بذكر ما أعد لعباده المؤمنين من الجنات والعيون والنعيم المقيم والراحة التي لا نصب بعدها ولا تعب، وجلوس بعضهم مع بعض، يتنادمون ويتجاذبون أطراف الأحاديث، وهم في سرور وحبور على سرر متقابلين – أردف ذلك فذلكة وخلاصة لما سبق، فأمر نبيه أن يبلغ عباده أنه غفار لذنوب من تابوا وأنابوا إلى ربهم، وأن عذابه مؤلم لمن أصروا على المعاصي ولم يتوبوا منها، ثم فصل ذلك الوعد والوعيد فذكر البشارة لإبراهيم بغلام عليم، وذكر إهلاك قوم لوط بما اجترحوا من كبرى الموبقات، وفظيع الجنايات، بفعلهم فاحشة لم يسبقهم بها أحد من العالمين، حتى صاروا كأمس الدابر، وأصبحوا أثرا بعد عين، وإهلاك أصحاب الأيكة قوم شعيب جزاء ظلمهم بشركهم بالله ونقصهم للمكاييل والموازين، فانتقم الله منهم بعذاب يوم الظلة، وإهلاك أصحاب الحجر وهم ثمود الذين كذبوا صالحا وكانوا ذوي حول وطول، وغنى ومال، وقوة وبطش، فأعرضوا عن آيات ربهم حينما جاءتهم على يدي رسوله، فأخذتهم الصيحة وقت الصباح ولم يغن عنهم مالهم من دون الله شيئا حين جاء أمره.
أخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق عطاء بن رباح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال :" ألا تراكم تضحكون " ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال :" إني لما خرجت من الباب جاء جبريل عليه السلام فقال : يا محمد إن الله يقول لك : لم تقنط عبادي { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ".
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال في قوله نبئ عبادي الآية : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع من حرام، ولو يعلم العبد قدر عذاب الله لبخع نفسه ".
وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله سبحانه خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر كل الذي عنده من رحمة لم ييأس من رحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عنده من العذاب لم يأمن من النار ".
الإيضاح : إن في ذلك لآيات للمتوسمين أي إن فيما فعلناه بقوم لوط من الهلاك والعذاب لدلالات للمفكرين الذين يعتبرون بما يحدث في الكون من عظات وعبر، ويستدلون بذلك على ما يكون لأهل الكفر والمعاصي من عقاب بئيس بما كانوا يكسبون.
أخرج البخاري في التاريخ والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله تعالى، ثم قرأ : إن في ذلك لآيات للمتوسمين .
والفراسة على نوعين :
( ١ ) ما يوقعه الله في قلوب الصلحاء فيعلمون بذلك أحوال الناس بالحدس والظن.
( ٢ ) ما يحصل بدلائل التجارب والأخلاق.
وقد صنّف الناس في القديم والحديث كتبا في ذلك، وبعض العلماء يجعلها دليلا يحكم به كما فعل إياس بن معاوية ( كان قاضيا ذكيا في عهد التابعين ).
ثم لفت أنظار أهل مكة إلى الاعتبار بها لو أرادوا فقال :

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير