قوله تعالى : وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق الآية. لما ذكر أهلاك الكفَّار، فكأنه قيل : كيف يليق الإهلاك بالرحيم ؟.
فأجاب : بأني ما خلقت الخلق إلا ليشتغلوا بعبادي، كما قال تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : ٥٦ ] فإذا تركوها، وأعرضوا عنها ؛ وجب في الحكمة إهلاكهم، وتظهير وجه الأرض منهم.
وهذا النَّظم حسنٌ، إلا أنَّه إنما يستقيمُ على قوله المعتزلة، وفي النظم وجه آخر : وهو أنه –تعالى- إنَّما هذه القصَّة تسلية لنبيِّه صلى الله عليه وسلم و أن يصبره على سفاهة قومه، فإنه إذا سمع [ أنَّ ]١ الأمم السَّالفة كانوا يعاملون بمثل هذه المعاملات ؛ سهُل تحمُّل تلك السَّفاهات على محمد –عليه الصلاة والسلام- ثم إنَّه –تعالى- لما بيَّن أنه أنزل العذاب على الأمم السَّالفة، قال لمحمد صلى الله عليه وسلم :" إنَّ السَّاعةَ لآتيِةٌ "، وإنَّ الله لينتقم لك من أعدائك، ويجازيهم، وإيَّاك، فإنه ما خلق السماوات، والأرض، وما بينهما إلا بالحق، والعدل والإنصاف، فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك ؟.
ثم إنَّه –تعالى- لما صبَّره على أذى قومه، رغَّبة بعد ذلك في الصَّفح عنهم، فقال : فاصفح الصفح الجميل .
قوله :" إلاَّ بالحقِّ " نعت لمصدر محذوف، أي : ملتبسة بالحقِّ.
قال المفسِّرون : هذه الآية منسوخة بآية القتال، وهو بعيد ؛ لأنَّ المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن، والعفو، والصفح، فكيف يصير منسوخاً ؟.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود