والحق هو الشيء الثابت الذي لا تعتوره الأغيار، والمثل هو نظام المجرات وحركة الشمس والقمر ؛ تجدها منضبطة ؛ ذلك أن الإنسان لا يتدخل فيها، وليس للإنسان صاحب الأغيار معه أي اختيار. ولذلك نجد أن الفساد لا ينشأ في الكون من النواميس العليا، ولكن من الأمور التي يتدخل فيها الإنسان، وليس معنى ذلك أن يتوقف الإنسان عن الحركة في الأرض ؛ ولكن عليه أن يرعى منهج الله، ويمتنع عما نهى عنه وأن يطيع ما أمره به. وأنت لو طبقت أوامر الحق سبحانه في " افعل " و " لا تفعل " لاستقامت الدنيا في الأمور التي لك دخل فيها كانتظام الأمور التي ليس لك دخل فيها.
واقرأ إن شئت قوله الحق : الرحمن " ١ " علم القرآن " ٢ " خلق الإنسان " ٣ " علمه البيان " ٤ " الشمس والقمر بحسبان " ٥ " والنجم والشجر يسجدان " ٦ " والسماء رفعها ووضع الميزان " ٧ " ألا تطغوا في الميزان " ٨ " ( سورة الرحمن ).
فإن كنتم تريدون أن تنتظم أموركم في الحياة الدنيا ؛ فلا تطغوا في ميزان أي شيء. وهنا يذكرنا الحق سبحانه ألا نقع في خطأ الوهم بأننا سنأخذ نعم الدنيا دون ضابط أو رابط ؛ فالحساب قادم لا محالة، ولذلك قال الحق سبحانه : فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون " ٤١ " أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون " ٤٢ " ( سورة الزخرف )أي : ما قدره الله سيقع دون أن يصده شيء مهما كان، وإما ترى ذلك في حياتك، أو تراه لحظة البعث. والدليل هو ما حاق بمن كفروا وظلموا وكذبوا الرسل، وعاثوا في الأرض مفسدين. وأهلكهم الحق سبحانه بعذابه تطهيراً للأرض من فسادهم، هذا جزاؤهم في الدنيا، وهناك جزاء آخر في اليوم الآخر. وفي هذا القول تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو حين يعلمه الله ما حاق بالأمم السابقة التي كذبت الرسل ؛ هانت عليه المتاعب والمشاق التي عاناها من قومه، وليسهل عليه من بعد ذلك أن يتذرع بالصبر الجميل، حتى يأتي وعده سبحانه، وليس عليك يا محمد أن تحمل نفسك ما لا تطيق.
تفسير الشعراوي
الشعراوي