ﭥﭦﭧ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: فَاصْدَعْ ( ١ )بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( ٩٤ ) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( ٩٥ ) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ( ٩٦ ) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ( ٩٧ ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ( ٩٨ ) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ( ٢ ) ( ٩٩ ) [ ٩٤ – ٩٩ ].
في الآيات أمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاستمرار في الدعوة والجهر بها والقيام بالمهمة التي أمر بها دون مبالاة بالمشركين. وتطمين رباني بأنه قد كفاه شر المستهزئين به الذين يشركون مع الله غيره والذين سوف يرون سوء عاقبة كفرهم وموقفهم فلن يصل إليه أذاهم. وتسلية ربانية ثانية له، فالله يعلم أنه ليضيق صدره بما يقولون عنه وعن القرآن ويحزن منه فليهدأ روعه وليطمئن قلبه وليسبح الله ويذكره ويسجد له ويعبده ما دام حيا، ففي ذلك سكينة للقلب وطمأنينة للروح وتهدئة للنفس.
تعليق على الآية
فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ والآيات الخمس التالية لها
ولقد روى الطبري وغيره في سياق الآية الأولى روايات تفيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ظل مستخفيا حتى نزلت، فخرج هو وأصحابه وهذه الروايات لم ترد في كتب الصحاح. ولقد استدللنا من نصوص السور المبكرة في النزول على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهر بالدعوة منذ نزول الوحي عليه وظل على ذلك دون انقطاع. وكل ما يمكن أن يصح هو أنه كان يلتزم جانب الحذر في الاجتماع والصلاة بأصحابه حماية لهم على ما شرحناه في سياق سورتي العلق والمزمل، وقد يكون الاستخفاء الذي ترويه الروايات هو هذا.
ولقد روى الطبري وغيره في سياق الآية الثانية أن خمسة من ذوي الأسنان والشرف في قريش كانوا أكثر المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مع اختلاف في أسمائهم فلما تمادوا دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله الآي. وصار بعدها يومئ على واحد منهم بعد الآخر فلا تلبث أن تصيبه نازلة فتقتله. وفي رواية أن جبريل نزل فأخذ النبي يشير إليهم واحد بعد آخر فيقول له : كفيته ثم يصاب بنازلة فتقتله. وفي رواية إن الآية نزلت لتطمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتبشيره ثم كانوا من هلكى بدر فتحققت البشرى.
والروايات لم ترد في الصحاح وقد تكون الأسماء التي ذكرت فيها ممن كانوا أشد أذى ومناوأة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من غيرهم. ولكن روح الآيتين ومقامهما يلهمان أنهما جزء من السياق السابق، وإنهما بسبيل تثبيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبث القوة والجرأة في نفسه مع بشرى من الله عز وجل بأنه كافيه وحاميه وعاصمه من المستهزئين بصورة عامة. وهي قوية رائعة في تلقينها وتطمينها وفي الخطة الحكيمة التي أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها بترسمها إزاء موقف الكفار وعنادهم. وجاءت خاتمة قوية للسورة التي احتوت فصولا في مواقف الكفار وأقوالهم وإنذارهم وطابع الختام بارز عليهما كما هو المتبادر. ولقد تحققت بشرى الله عز وجل لرسوله بأنه قد كفاه المستهزئين وعصمه منهم فكانت معجزة من معجزات القرآن. وذلك بما كان من عدم قدرتهم عليه رغم مؤامراتهم، ثم بما كان من انتصارهم عليهم وهزيمة الشرك الساحقة وهلاك معظم رؤساء المستهزئين والمناوئين ودخول الناس في الله أفواجا، ثم في سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المكر والكيد والمؤامرات التي عمد أولئك الرؤساء إليها ضده والتي حكاها القرآن في آية سورة الأنفال هذه : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ( ٣٠ ) .
ونقف عند جملة فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ لنقول إنها كما قلنا بسبيل تثبيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الظرف الذي نزلت فيه وينبغي أخذها على هذا الاعتبار لا على اعتبار أمر الله لنبيه بإهمال المشركين وتجاوزهم. فدعوة المشركين إلى الله من مهمة النبي الأصلية. والقرآن واصل أوامره للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بمواصلة الجهد في سبيل هذه المهمة. والنبي ظل يواصلها فعلا والأمر فَاصْدَعْ ينطوي على وجوب هذه المواصلة بحيث يكون معنى وَأَعْرِضْ في مقامها ( لا تأبه بمناوأتهم ) وقد تكرر مثل هذا في المواقف المماثلة ومرت أمثلة منه في السور التي سبق تفسيرها. وبعضهم يرى أن الجملة ترك المشركين وشأنهم وأنها نسخت بآيات القتال في العهد المدني، وقد يصدق النسخ بالنسبة لمن وقف وظل يقف من الإسلام والمسلمين موقف الأذى والعدوان، وهذا ما نبهنا عليه في المناسبات السابقة أيضا


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير