بحمده وثنائه وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ؛ أي: المصلين، فإنك إذا فعلت ذلك.. كشف الله همك، وأذهب غمك، وشرح صدرك،
٩٩ - ثم أَمره بعبادة ربه؛ أي: بالدوام عليها بقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ إلى غاية هي قوله: حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ؛ أي: الموت المتيقن، قال الزجاج: المعنى (١) اعبد ربك أبدًا؛ لأنه لو قيل اعبد ربك بغير توقيت.. لجاز إذا عبد الإنسان مرةً أن يكون مطيعًا، فإذا قال حتى يأتيك اليقين فقد أمره بالإقامة على العبادة أبدًا ما دام حيًّا، والمعنى (٢)؛ أي: إذا نزل بك الضيق ووجهت نفسك فافزع إلى ربك، ونزهه عما يقولون، حامدًا له على توفيقك للحق، وهدايتك إلى سبيل الرشاد، وصلِّ آناء الليل وأطراف النهار، فإن في مناجاة ربك ما يقربك إلى حضرة القدس، ويسمو نفسك إلى الملا الأعلى كما ورد في الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، ودم على ما أتت عليه، طالبًا المزيد من فضله، حتى يأتيك الموت، فهناك الجزاء بلا عملٍ، وهنا العمل ولا جزاء، وقصارى ذلك: أنه تعالى أرشده إلى كشف ما يجده في نفسه من الغم بفعل الطاعات، والإكثار من العبادات، وقد كان - ﷺ - إذا حزبه أمر واشتدَّ عليه خطب.. فزع إلى الصلاة، روى أحمد عن ابن عمر أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره " وفي هذه (٣) دلالة على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على المرء ما دام ثابت العقل، روى البخاري عن ابن عمران بن حصين أن رسول الله - ﷺ - قال: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع.. فقاعدًا، فإن لم تستطع.. فعلى جنب"، اللهم وفقنا لطاعتك، واهدنا لعبادتك، واجعلنا من المتقين الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
الإعراب
فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢).
(٢) المراغي.
(٣) المراغي.
فَلَمَّا الفاء: عاطفة على محذوف، تقديره: فخرجوا من عند إبراهيم، وسافروا من قريته إلى قرية لوط، فلما دخلوا قريته، وجاءوا إليه.. قال لوط، لمَّا: حرف شرط غير جازم جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ: فعل ومفعول وفاعل، والجملة فعل شرط لـ لمَّا لا محل لها من الإعراب قَالَ: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على لُوطٍ، والجملة جواب لمَّا، وجملة لمَّا معطوفة على ذلك المحذوف، إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ مقول محكي، وإن شئت قلت: إِنَّكُمْ قَوْمٌ: ناصب واسمه وخبره، مُنْكَرُونَ: صفة قَوْمٌ، والجملة في محل النصب مقول قَالَ.
قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣).
قَالُوا: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة بَلْ جِئْنَاكَ إلى قوله: وَقَضَيْنَا مقولٌ محكي، وإن شئت قلت: بَلْ: حرف ابتداء وإضراب عن محذوف، إضرابًا إبطاليًّا تقديره: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، جِئْنَاكَ: فعل وفاعل ومفعول، بِمَا: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قَالُوا كَانُوا فعل ناقص واسمه فِيهِ: متعلق بما بعده، وجملة يَمْتَرُونَ في محل النصب خبر كان، وجملة كان صلة لـ ما أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير فِيهِ.
وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥).
وَأَتَيْنَاكَ: فعل وفاعل ومفعول، بِالْحَقِّ: جار ومجرور، متعلق بمحذوف حال من فاعل أَتَيْنَاكَ، تقديره: حالة كوننا متلبسين بالحق، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة بَلْ جِئْنَاكَ على كونها مقول قَالُوا. وَإِنَّا لَصَادِقُونَ: ناصب واسمه وخبره، واللام حرف ابتداء، والجملة الاسمية في محل النصب حال ثانية من فاعل أتيناك. فَأَسْرِ الفاء: حرف عطف وتفريع، أسر: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على لوط، والجملة في محل النصب معطوفة على قوله وَأَتَيْنَاكَ. بِأَهْلِكَ: جار ومجرور، حال
من فاعل أسْر؛ أي: فأسر حالة كونك متلبسًا بأهلك، بِقِطْعٍ: جار ومجرور متعلق بـ أسر و الباء بمعنى في؛ أي: في قطعٍ، مِنَ اللَّيْلِ: جار ومجرور صفة لـ قطع، وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على لوط، والجملة معطوفة على جملة قوله: فَأَسْرِ، وَلَا يَلْتَفِتْ: فعل مضارع، مِنْكُمْ: حال من أَحَدٌ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، أَحَدٌ: فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: فَأَسْرِ، وَامْضُوا: فعل وفاعل، معطوف على فَأَسْرِ. حَيْثُ: في محل النصب على الظرفية المكانية متعلق بـ امْضُوا تُؤْمَرُونَ: فعل ونائب فاعل، في محل الجر مضاف إليه لـ حَيْثُ.
وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧).
وَقَضَيْنَا: فعل وفاعل والجملة مستأنفة إِلَيْهِ: متعلق بـ قَضَيْنَا ذَلِكَ: مفعول، الْأَمْرَ: بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان منه، أَنَّ: حرف نصب، دَابِرَ هَؤُلَاءِ: اسمها ومضاف إليه، مَقْطُوعٌ: خبر أَنَّ مُصْبِحِينَ: حال من الضمير المستتر في مَقْطُوعٌ، وجملة أَنَّ في تأويل مصدر منصوب على البدلية من اسم الإشارة، أو من الأمر، تقديره: وقضينا إليه ذلك الأمر قطع دابر هؤلاء مصبحين، أو مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: وقضينا إليه ذلك الأمر بقطع دابر هؤلاء وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، وجملة يَسْتَبْشِرُونَ في محل النصب حال من أهْلُ الْمَدِينَةِ.
قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩).
قَالَ: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على لوط، والجملة مستأنفة، إِنَّ هَؤُلَاءِ إلى قوله: قَالُوا مقول محكي، وإن شئت قلت: إِنَّ هَؤُلَاءِ ناصب واسمه، ضَيْفِي: خبره، وجملة إن في محل النصب مقول قَالَ. فَلَا الفاء: حرف عطف وتفريع، لا ناهية جازمة، تَفْضَحُونِ: فعل مضارع
مجزم بـ لا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، و الواو: فاعل و النون: نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة على قراءة الجمهور اجتزاءً عنها بكسرة النون مبني على السكون، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة إِن. وَاتَّقُوا اللَّهَ: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة إِن وَلَا تُخْزُونِ: جازم وفعل وفاعل، ونون وقاية ومفعول محذوف على قراءة الجمهور، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة إِن كونها مقول قَالَ.
قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢).
قَالُوا: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ مقول محكي لـ قَالُوا، وإن شئت قلت: أَوَلَمْ نَنْهَكَ الهمزة للاستفهام التقريري داخلة على محذوف، و الواو: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم نقدم لك ولم ننهك، لَمْ نَنْهَكَ: جازم وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على قوم لوط عَنِ الْعَالَمِينَ متعلق به، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول قَالُوا. قَالَ: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على لوط، والجملة مستأنفة هَؤُلَاءِ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: هَؤُلَاءِ بَنَاتِي: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول قَالَ، إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ: جازم وفعل ناقص واسمه وخبره، والجملة فعل شرط لـ إن، والجواب محذوف تقديره: إن كنتم فاعلين قضاء الشهوة فيما أحل الله.. فتزوجوا بناتي، والجملة الشرطية في محل النصب مقول قَالَ. لَعَمْرُكَ اللام: حرف ابتداء عمرك: مبتدأ ومضاف إليه، والخبر محذوف وجوبا لسد جواب القسم مسده والتقدير: لعمرك قسمي، وجملة القسم مستأنفة، إِنَّهُمْ ناصب واسمه لَفِي اللام: حرف ابتداء فِي سَكْرَتِهِمْ: جار ومجرور خبر إنَّ وجملة إن جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة يَعْمَهُونَ في محل النصب حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور.
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤).
فَأَخَذَتْهُمُ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت استمرارهم في غوايتهم، وأردت بيان عاقبة أمرهم.. فأقول: أخذتهم الصيحة أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فعل ومفعول وفاعل، مُشْرِقِينَ: حال من ضمير المفعول، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. فَجَعَلْنَا الفاء: عاطفة جعلنا: فعل وفاعل، عَالِيَهَا: مفعول أول، سَافِلَهَا: مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة فَأَخَذَتْهُمُ. وَأَمْطَرْنَا: فعل وفاعل معطوف على جعلنا، عَلَيْهِمْ: متعلق به حِجَارَةً: مفعول به، مِنْ سِجِّيلٍ: صفة لـ حِجَارَةً.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨).
إِنَّ: حرف نصب فِي ذَلِكَ: خبرها مقدم، لَآيَاتٍ: اسمها مؤخر، و اللام: حرف ابتداء لِلْمُتَوَسِّمِينَ: صفة لآيات، وجملة إِنَّ مستأنفة، وَإِنَّهَا: ناصب واسمه لَبِسَبِيلٍ اللام: حرف ابتداء؛ بِسَبِيلٍ: جار ومجرور خبره، مُقِيمٍ: صفة سبيل، وجملة إِنَّ معطوفة على جملة إِنَّ الأولى، إِنَّ: حرف نصب فِي ذَلِكَ: خبرها مقدم، لَآيَةً: اسمها مؤخر، و اللام: حرف ابتداء لِلْمُؤْمِنِينَ: صفة لَآيَةً، وجملة إِنَّ مستأنفة. وَإِنْ الواو: استئنافية، إِنْ: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ فعل ناقص واسمه ومضاف إليه، لَظَالِمِينَ: خبره، و اللام حرف ابتداء، وجملة كَانَ في محل الرفع خبر إن المخففة، وجملة إن المخففة مستأنفة.
{فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)
وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١)}.
فَانْتَقَمْنَا الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت كونهم ظالمين، وأردت بيان عاقبة أمرهم.. فأقول لك انتقمنا، انتقمنا فعل وفاعل، مِنْهُمْ: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، وَإِنَّهُمَا: ناصب واسمه لَبِإِمَامٍ اللام: حرف ابتداء، بإمام: جار ومجرور خبر إن مُبِينٍ: صفة إمام، وجملة إن معطوفة على جملة انْتَقَمْنَا على كونهم مقولًا لجواب إذا المقدرة، وَلَقَدْ: الواو استئنافية، و اللام: موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب الْمُرْسَلِينَ: مفعول به، وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا: فعل وفاعل ومفعولان؛ لأن آتى بمعنى أعطى، والجملة الفعلية معطوفة على جملة كَذَّبَ. فَكَانُوا الفاء: عاطفة كانوا: فعل ناقص واسمه، عَنْهَا: متعلق بما بعده، مُعْرِضِينَ: خبر كان وجملة كان معطوفة على جملة آتيناهم.
وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤).
وَكَانُوا: فعل ناقص واسمه، وجملة يَنْحِتُونَ خبره، مِنَ الْجِبَالِ: حال مقدرة من بُيُوتًا لأنه صفة نكرة قدمت عليها، بُيُوتًا: مفعول، آمِنِينَ: حال من فاعل يَنْحِتُونَ وجملة كان معطوفة على جملة قوله: فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ، فَأَخَذَتْهُمُ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم وظلمهم، وأردت بيان عاقبتهم.. فأقول لك أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فعل ومفعول وفاعل، مُصْبِحِينَ: حال من ضمير المفعول، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، فَمَا الفاء: عاطفة ما: نافية أَغْنَى: فعل ماض، عَنْهُمْ متعلق به، مَا: اسم موصول، أو موصوفة في محل الرفع فاعل،
والجملة الفعلية معطوفة على جملة فَأَخَذَتْهُمُ كاَنُوا: فعل ناقص واسمه، وجملة يَكْسِبُونَ خبره، وجملة كان صلة لـ مَا أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كانوا يكسبونه.
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ.
وَمَا الواو: استئنافية ما نافية، خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ: فعل وفاعل ومفعول به وَالْأَرْضَ: معطوف على السَّمَاوَاتِ، والجملة مستأنفة وَمَا الواو: عاطفة ما: موصولة، أو موصوفة في محل النصب معطوف على السَّمَاوَاتِ. بَيْنَهُمَا: ظرف ومضاف إليه صلة لـ ما أو صفة لها، إِلَّا: أداة استثناء مفرغ، بِالْحَقِّ: جار ومجرور، صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا خلقًا متلبسًا بالحق.
وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦).
وَإِنَّ الواو: استئنافية إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ناصب واسمه وخبره، و اللام حرف ابتداء، والجملة مستأنفة، فَاصْفَحِ الفاء فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن الساعة آتية، وأن الله ينتقم من أعدائك.. فأقول لك اصفح، اصْفَحِ: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، الصَّفْحَ: منصوب على المفعولية المطلقة، الْجَمِيلَ: صفة لـ الصَّفْحَ، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة إِنَّ رَبَّكَ: ناصب واسمه هُوَ: ضمير فصل، الْخَلَّاقُ. خبر إِنَّ. الْعَلِيمُ صفة له، وجملة إِنَّ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨).
وَلَقَدْ الواو: استئنافية، و اللام: موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق، آتَيْنَاكَ سَبْعًا: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة جواب للقسم
المحذوف، وجملة القسم المحذوف مستأنفة، مِنَ الْمَثَانِي: صفة لـ سَبْعًا، وَالْقُرْآنَ: معطوف على سَبْعًا، الْعَظِيمَ: صفة القرآن، لَا تَمُدَّنَّ لَا: ناهية جازمة، تَمُدَّنَّ: فعل مضارع في محل الجزم بـ لَا مبني على الفتح، والنون نون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة، عَيْنَيْكَ: مفعول به، إِلَى مَا: جار ومجرور متعلق بـ تَمُدَّنَّ، مَتَّعْنَا: فعل وفاعل، بِهِ: متعلق به، أَزْوَاجًا: مفعول به مِنْهُمْ: صفة لـ أَزْوَاجًا، وجملة مَتَّعْنَا صلة لـ مَا أو صفة لها، وَلَا تَحْزَنْ: جازم وفعل مجزوم، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة قوله لَا تَمُدَّنَّ. عَلَيْهِمْ: متعلق به، وَاخْفِضْ: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على محمد، جَنَاحَكَ: مفعول به، لِلْمُؤْمِنِينَ: متعلق بـ اخْفِضْ والجملة الفعلية معطوفة على جملة النهي.
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣).
وَقُلْ: فعل أمر معطوف على اخْفِضْ، وفاعله ضمير يعود على محمد، إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ: مقولٌ محكيٌّ، وإن شئت قلت: إِنِّي: ناصب واسمه، أَنَا: ضمير فصل، أو تأكيد لياء المتكلم، النَّذِيرُ: خبر إنَّ. الْمُبِينُ: صفةٌ له، وجملة إنَّ في محل النصب مقول قل كَمَا الكاف: صفة لمصدر محذوف معمول لآتيناك سبعًا من المثاني؛ لأنه بمعنى أنزلنا، ما: مصدرية، أَنْزَلْنَا: فعل وفاعل، عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ: متعلق به، والجملة الفعلية صفةٌ لمصدر محذوف، تقديره: ولقد أنزلنا عليك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم إنزالًا مثل إنزالنا على المقتسمين، الَّذِينَ: صفة لـ الْمُقْتَسِمِينَ. جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول، فَوَرَبِّكَ الفاء: استثنائية، وربك جار ومجرور متعلق بفعل قسم محذوف، تقديره: أقسم بربك يا محمد، وجملة القسم مستأنفة، لَنَسْأَلَنَّهُمْ اللام: موطئة للقسم، نسألنهم: فعل ومفعول أول، ونون
توكيد، وفاعله ضمير يعود على الربِّ، أَجْمَعِينَ: تأكيد لضمير المفعول، والجملة الفعلية جواب القسم. عَمَّا: جار ومجرور متعلق بـ نَسْأَلَنَّ وهو في محل المفعول الثاني، كَانُوا: فعل ناقص واسمه، وجملة يَعْمَلُونَ خبره، وجملة كان صلة لـ ما أو صفةٌ لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: عمّا كانوا يعملونه.
فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥):
فَاصْدَعْ الفاء فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك.. فأقول لك. اصدع بما تؤمر، اصدع: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمدٍ، بِمَا: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، تُؤْمَرُ: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على محمد، والجملة صلة لـ ما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: بما تؤمر به، وَأَعْرِضْ: فعل أمر معطوف على اصدع، وفاعله ضمير يعود على محمد، عَنِ الْمُشْرِكِينَ: متعلق به، إِنَّا: ناصب واسمه، كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة في محل الرفع خبر إن، وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧).
الَّذِينَ: صفة للمستهزئين، يَجْعَلُونَ فعل وفاعل، مَعَ اللَّهِ: متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني لجعل، إِلَهًا: مفعول أول، آخَرَ: صفة له، والجملة صلة الموصول، فَسَوْفَ الفاء: استئنافية، سوف: حرف استقبال وتنفيس، يَعْلَمُونَ: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، تقديره: فسوف يعلمون عاقبة أمرهم، والجملة مستأنفة، ويحتمل كون الَّذِينَ مبتدأ، وجملة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ خبره، والفاء رابطة الخبر بالمبتدأ لما في المبتدأ من
معنى الشرط، وَلَقَدْ: الواو، اللام: موطئة للقسم، قَدْ: حرف تحقيق نَعْلَمُ: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة جواب القسم المحذوف، أَنَّكَ: ناصب واسمه يَضِيقُ صَدْرُكَ: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر أن وجملة أن في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم، بِمَا: جار ومجرور متعلق بـ يَضِيقُ، وجملة يَقُولُونَ صلة لـ ما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما يقولونه.
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩).
فَسَبِّحْ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا عرفت ما ذكرته لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك... فأقول لك سبح بحمد وبك، سبح: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، بِحَمْدِ رَبِّكَ: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من فاعل سبح تقديره: حالة كونك متلبسًا بحمد ربك، والجملة الفعلية في محل النصب مقولٌ لجواب إذا المقدرة، وَكُنْ فعل أمر ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود على محمد، مِنَ السَّاجِدِينَ: خبر كُنْ، وجملة كُنْ في محل النصب معطوف على سبح وَاعْبُدْ رَبَّكَ: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة سبح، حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ فعل ومفعول وفاعل، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بـ حَتَّى، والتقدير: وأعبد ربك إلى إتيان اليقين، الجار والمجرور معلق بـ اعْبُدْ.
التصريف ومفردات اللغة
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ؛ أي: اذهب بهم ليلًا، والقطع من الليل الطائفة منه، كما قال:
| افتحي البَابَ وانظُري في النُّجُوم | كم علينا مِن قِطْعِ لَيلٍ بَهِيمِ |
وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ أوحينا دَابِرَ آخر مَقْطُوعٌ؛ أي: مهلك مستأصل، أَهْلُ الْمَدِينَةِ والمدينة هي سذوم على وزن فعول - بالذال المعجمة - مدينة قوم لوط، والاستبشار إظهار السرور، والفضيحة إظهار ما يوجب العار، يقال: فضحه كمنعه يمنعه فضيحة وفضحًا إذا كشف مساويه، وأظهر من أمره ما يلزمه العار بسببه، وفي "المختار": فضحه فافتضح كشف مساويه، وبابه قطع، والاسم الفضيحة والفضوح أيضًا بضمتين اهـ. وَلَا تُخْزُونِ؛ أي: لا تذلون، من الخزي وهو الهوان، أو ولا تخجلون فيهم، من الخزاية وهي الحياء اهـ "بيضاوي".
لعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ والعمر والعمر بالفتح والضم الحياة، وإذا أريد به القسم تفتح عينه، وقيل والعمر بالفتح لغة في العمر بضمتين، فهما بمعنى واحد، وهو مدة عيش الإنسان؛ أي: مدة حياته في الدنيا، لكن لم يرد القسم في كلام العرب إلا بالضبط الأول؛ أي: فتح اللام وفتح العين المهملة اهـ شيخنا، وفي "السمين": لعمرك مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا، و إِنَّهُمْ وما في حيزه جواب القسم، تقديره: لعمرك قسمي أو يميني إنهم... إلخ، والعمر بالفتح والضم هو البقاء، إلا إنهم التزموا الفتح في القسم، قال الزجاج: لأنه أخف عليهم، وهم يكثرون القسم بعمرك، وفي "الدر المنثور" وعمرك بفتح العين وسكون الميم لغة في العمر بضمهما، وهو اسم لمدة عمارة بدن الإنسان بالحياة والروح.
لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ؛ أي: في غوايتهم وضلالهم يتحيرون، ويقال عمه يعمه من باب تعب، إذا تحير، كما في "المختار".
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ والصيحة الصاعقة، وكل شيء أهلك به قوم فهو صيحة وصاعقة، أخرجه ابن المنذر عن ابن جرير، مُشْرِقِينَ؛ أي: داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس وطلوعه، و السجيل الطين المتحجر، وهو معرب لا عربيٌّ في المشهور، وفي "القاموس": السجيل كسكيت حجارة كالمدر معرب. سَنْكِ وكل اهـ. لِلْمُتَوَسِّمِينَ؛ أي: للمتفكرين، يقال توسمت في فلان كذا؛ أي:
عرفت وسمه فيه؛ أي: أثره وعلامته، وتوسم الشيء تحيره وتفرسه، وفي "السَّمين" قوله: لِلْمُتَوَسِّمِينَ من التوسم تفعل من الوسم، والوسم أصله التثبت والتفكر، مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البقر أو غيره، وقال ثعلب: الواسم الناظر إليك من فرقك إلى قدمك، وفيه معنى التثبت، وقيل: أصله استقصار التعرف، تقول توسمت؛ أي: تعرفت مستقصيًا وجوه التعرف، وقيل هو تفعل من الوسم وهو العلامة، ويقال توسمت في فلان خيرا إذا ظهرت لي منه علاماته، قال عبد الله بن رواحة يمدح النبي - ﷺ -:
| إِنِّي تَوَسَّمْتُ فِيْكَ الخَيْرَ أَعْرِفُهُ | وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي ثَابِتُ الْبَصَرِ |
وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا هي الناقة، وفيها آيات كثيرة: كعظم خلقها، وكثرة لبنها، وكثرة شربها كما مر، وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ؛ أي: يخرقون فيها بيوتًا بالمعاويل، حتى تصير مساكن من غير بنيان يسكنونها زمن الشتاء، والنحت في كلام العرب البري والنجر، يقال تحته ينحته بالكسر نحتًا - من باب ضرب - إذا براه ونقبه، والجبال جمع جبل، قال في "القاموس": الجبل محركة كل وتد للأرض عظم وطال، فإن انفرد فأكمة، أو قنة بيُوُتًا جمع بيت، وهو اسم مبنى صفحة رقم 127
مسقف، مدخله من جانب واحد، بني للبيتوتة، سواء كان حيطانه أربعة أو ثلاثةٌ، والدار تطلق على العرصة المجردة، بلا ملاحظة البناء معها ذكره في "روح البيان".
و الصَّفْحَ ترك التثريب واللوم، والصفح الجميل ما خلا من العتب مِنَ الْمَثَانِي جمع مثنى من التثنة، وهو التكرير والإعادة، لَا تَمُدَّنَّ يقال مد عينيه إلى مال فلان: اشتهاه وتمناه، أَزْوَاجًا جمع زوج، وهو الصنف، وخفض الجناح يراد به التواضع واللين، وأصل ذلك أن الطائر إذا أراد أن يضم فرخه إليه.. بسط جناحه، والجناحان من الإنسان جانباه، و (النَّذِيرُ المخوف بعذاب الله من لا يؤمن به.
عِضِينَ؛ أي: أجزاء، واحدها عضةٌ من عضيت الشاة، جعلتها أعضاء وأقسامًا، وفي "البيضاوي" عضين جمع عضة، وأصلها عضوة فعلة، من عضى الشاة إذا جعلها أعضاءً وأجزاء، فيكون المعنى على هذا: الذين جعلوا القرآن أجزاء متفرقة، بعضه شعرٌ وبعضه سحرٌ وبعضه كهانةٌ ونحو ذلك، وقيل هو مأخوذ من عضته إذا بهته، فالمحذوف منه الهاء لا الواو، وفي "المختار": قال الكسائيُّ: العضة الكذب والبهتان، وجمعها عضون، مثل عزة وعزون، قال الله تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) قيل ونقصان الواو، وهو من عضوته؛ أي: فرقته؛ لأن المشركين فرقوا أقاويلهم فيه، فجعلوه كذبًا وسحرًا وكهانة وشعرًا، وقيل نقصانه الهاء، وأصله عضهةٌ؛ لأن العضة والعضين في لغة قريش السحر، يقولون للساحر عاضه، ومنه قول الشاعر:
| أعُوْذُ بِرَبِّي مِنَ النَّافِثَا | تِ في عُقَدِ الْعَاضِهِ الْعَضِهِ |
وَلَيسَ دِينُ الله بِالعِضِيْنِ صفحة رقم 128
أي: بالمفرق، فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ؛ أي: اجهر به، من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارًا، يَضِيقُ صَدْرُكَ أن ينقبض من الحسرة والحزن، السَّاجِدِينَ المصلين، الْيَقِينُ الموت، وسمي به لأنه أمر متيقن لا شك فيه.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الكناية في قوله: وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ لأنه كناية عن مواصلة السير وترك التواني والتوقف؛ لأن من يلتفت لا بد له من أدنى وقفةٍ.
ومنها: ترك الاستثناء هنا، حيث لم يقل: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، اكتفاءً بما قبله وهو قوله: إِلَّا امْرَأَتَكَ.
ومنها: الكناية في قوله: أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ كنى به عن عذاب الاستئصال.
ومنها: الجناس الناقص في قوله: الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ، وجناس الاشتقاق في قوله: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ.
ومنها: إطلاق العام وإرادة الخاص في قوله: وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ؛ لأن الجائي بعضهم لا كلهم.
ومنها: إطلاق الضيف على الملائكة بحسب اعتقاده - عليه السلام - لكونهم في زيِّ الضيف في قوله: إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ حيث استعار السكرة التي هي زوال العقل من الشراب لغوايتهم وضلالتهم، بجامع عدم التمييز بين الصواب والخطأ في كل منهما.
ومنها: الطباق في قوله: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا.
ومنها: الاستعارة في قوله: لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ حيث استعار الإِمام بمعنى
المقتدى به للطريق الواضح، بجامع الاهتداء في كل منهما.
ومنها: إطلاق الجمع على المفرد في قوله: وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا؛ لأن المراد بها الناقة، تنزيلًا لها منزلة الجمع؛ لأن فيها آيات كثيرة وخوارق عديدة، كما مر في مبحث التفسير.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: آيَاتِنَا.
ومنها: المبالغة في قوله: الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ.
ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ حيث شبه إلانة الجانب بخفض الجناح، بجامع العطف والرقة في كلٍ، واستعير اسم المشبه به للمشبه، وهذا من أبلغ الاستعارات، لأن الطائر إذ كف عن الطيران بجناحيه.. خفض جناحيه.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ؛ أي: من المصلين لما فيه من إطلاق البعض وإرادة الكل.
ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ؛ لأن العبادة عامة شاملة للتسبيح والسجود وغيرهما.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم بمعاني كتابه وأسرار تنزيله
* * *
خلاصة ما اشتملت عليه السورة الكريمة من الحكم والأحكام
١ - وصف القرآن الكريم.
٢ - الإعراض عن المشركين حتى يحل بهم ريب المنون.
٣ - استهزاء المشركين وإنكارهم لنبوة محمد - ﷺ -، وتكذيبهم لما يرونه من الآيات.
٤ - إقامة الأدلة على وجود الله بما يرونه من الآيات في خلق السموات والأرض وفي الإنسان.
٥ - عصيان إبليس أمر ربه في السجود لآدم، وذكر الحوار بينه وبين ربه، وطلبه الإنظار إلى يوم الدين.
٦ - بيان حال أهل الجنة وأهل النار يوم القيامة.
٧ - قصص بعض الأنبياء، وذكر ما أهلك الله به كل أمة من الأمم المكذبة لرسلها.
٨ - بيان أن الحكمة في خلق السموات والأرض هي عبادة الله تعالى وحده، وإقامة العدل والنظام في المجتمع.
٩ - ذكر ما أنعم الله به على نبيه من السبع المثاني والقرآن العظيم.
١٠ - نهي نبيه والمؤمنين عن تمني زخرف الدنيا وزينتها.
١١ - أمره - ﷺ - بخفض الجناح والرفق بمن اتبعه من المؤمنين.
١٢ - التذكير بنعمة الله عليه بإهلاك أعدائه المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين.
١٣ - الأمر بالدعوة للدين جهرًا والصدع بها، وعدم المبالاة بالمشركين.
١٤ - أمره - ﷺ - بالتسبيح والعبادة إذا ضاق صدره باستهزاء المشركين والطعن فيه وفي كتابه الكريم (١).
سورة النحل
سورة النحل مكية (١) إلا قوله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر السورة، فإنها نزلت بالمدينة في قتل حمزة - رضي الله عنه - قاله ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه أنها مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى: وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، إلى قوله: يَعْلَمُونَ، وقال قتادة: هي مكية إلا خمس آيات، وهي قوله: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وقوله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ إلى آخر السورة، زاد مقاتل قوله: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ الآية، وقوله: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً الآية، وقيل: كان يقول لسورة النحل سورة النِّعم، لكثرة تعداد النعم فيها، وهي مئة وثمان وعشرون آية، وألفان وثمان مئة وأربعون كلمة، وسبعة آلاف وسبع مئة وسبعة أحرف.
والمقصود من هذه السورة (٢): الدلالة على أنه تعالى تام القدرة والعلم، فاعل بالاختيار، منزه عن شوائب النقص، وأدل ما فيها على هذا المعنى أمر النحلة لما ذكر من شأنها في دقة الفهم، من ترتيب بيوتها ورحبها وسائر أمرها، من اختلاف ألوان ما يخرج منها من أعسالها، وجعله شفاءً، مع أكلها من الثمار النافعة والضارة، وغير ذلك من الأمور، ورسمها بالنعم واضح اهـ "خطيب".
المناسبة: ووجه المناسبة بين هذه السورة والسورة التي قبلها (٣): أنه لما قال في السورة السالفة: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) كان ذلك تنبيهًا إلى حشرهم يوم القيامة، وسؤالهم عما فعلوه في الدنيا، فقيل: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا
(٢) الفتوحات.
(٣) المراغي.
تَسْتَعْجِلُوهُ}، وأيضًا فإن قوله في آخرها: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) شدد الالتئام بقوله: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال الإِمام أبو عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: وجملة المنسوخ في هذه السورة خمس آيات:
أولاهن: قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا الآية (٦٧)، نسخت بقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ الآية (٣٣) من سورة الأعراف، يعني الخمر، وقيل بقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ الآية (٩١) أي: انتهوا.
الآية الثانية: قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الآية (٨٢)، نسخت بآية السيف.
الآية الثالثة: قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ الآية (١٠٦)، نسخت بقوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ الآية (١٠٦) من سورة النحل، وقيل بآية السيف.
الآية الرابعة: قوله تعالى: وَجَادِلْهُمْ الآية (١٢٥).
والخامسة: قوله تعالى: وَاصْبِرْ (١٢٨) نسخت كلتاهما بآية السيف، مع الاختلاف فيهما.
والله أعلم
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣).المناسبة
وقد سبق لك بيان مناسبة أول هذه السورة لآخر السورة السالفة فراجعه.
قوله تعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)... صفحة رقم 134
الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لمَّا ذكر (١) أنه منزه عن الشريك والولد، وأنه لا إله إلا هو، وأمر بتقواه وإخلاص العبادة له.. ذكر هنا أدلة التوحيد، واتصاف ذاته الكريمة بصفات الجلال والإكرام بأسلوب بديع، جمع فيه بين دلالة المصنوع على الصانع والنعمة على المنعم، ونبّه بذلك إلى أن كل واحد من هذا كاف في صرف المشركين عمّا هم عليه من الشرك.
وكلما بصَّرهم طائفة مما يرون ويشاهدون.. بكتهم على ما يقولون ويفعلون، وبيَّن لهم كفرانهم نعمتي الرعاية والهداية، فاحتج على وجوده بخلق الأجرام الفلكية، ثم ثنى بذكر أحوال الإنسان، ثم ثلث بذكر أحوال الحيوان، ثم ربع بذكر أحوال النبات، ثم اختتم القول بذكر أحوال العناصر الأربعة.
قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً... الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٢): أنه تعالى لما امتن بإيجادهم بعد العدم وإيجاد ما ينتفعون به من الأنعام وغيرها من الركوب. ذكر ما امتن به عليهم من إنزال الماء الذي هو قوام حياتهم وحياة الحيوان، وما يتولد عنه من أقواتهم وأقواتها من الزرع، وما عطف عليه فذكر منها الأغلب، ثم عمم بقوله: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ثم أتبع ذلك بخلق الليل الذي هو سكن لهم، والنهار الذي هو معاشٌ، ثم بالنيرين الذين جعلهما الله تعالى مؤثرين بإرادته في إصلاح ما يحتاجون إليه، ثم بما ذرأ في الأرض.
قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لمَّا ذكر الاستدلال بما ذرأ في الأرض.. ذكر ما امتن به من تسخير البحر، ومعنى تسخيره كونه يتمكن الناس من الانتفاع به، للركوب في المصالح، وللغوص في استخراج ما فيه، وللاصطياد لما فيه.
قوله تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)... الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الدلائل (٣) على
(٢) البحر المحيط.
(٣) المراغي.
وجود الإله القادر الحكيم على أحسن ترتيب وأكمل نظام، وكان في ذلك تفصيل وإيضاح لأنواع النعم، ووجوه الإحسان، وأردف ذلك بتبكيت الكفار، وإبطال شركهم وعبادتهم غير الله من الأصنام والأوثان، لما يلزم ذلك من المشابهة بينه تعالى وبينها، ثم أردف ذلك بيان أن لهذا الخالق نعمًا لا تحصى على عباده، وأنهم مهما بالغوا في الشكر واجتهدوا في العبادة.. فليسوا ببالغين شيئًا مما يجب عليهم نحوه، ولكنه يستر عليهم ما فرط من كفرانها، ويرحمهم بفيض النعم عليهم، مع عدم استحقاقهم لها، ثم أعقب هذا بذكر خواص الألوهية، وهي علم السر والنجوى والخلق، وهذه الأصنام ليس لها شيء من ذلك فهي مخلوقة لا خالقة، ولا شعور لها بحشر ولا نشر، ومن هذا كله يعلم أن الإله واحد لا شريك له، ثم ذكر الأسباب الداعية إلى الإشراك، وهي تحجر القلوب وإنكار التوحيد، فهي لا ترغب في الثواب ولا ترهب العقاب، وتستكبر عن عبادة الواحد الديان، لا جرم بقيت مصرة على ما كانت عليه من الجهل والضلال.
أسباب النزول
قوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ... الآية، سبب نزولها (١): أنه لما نزل قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١).. قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعلمون حتى ننظر، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء.. قالوا ما نرى شيئًا، فأنزل الله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ فأشفقوا، وارتقبوا قرب الساعة، فلما امتدت الأيام.. قالوا: يا محمد ما نرى شيئًا مما تخوفنا به، فأنزل الله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فوثب رسول الله - ﷺ -، ورفع الناس رؤوسهم، ونزل: فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ فاطمأنوا، قاله ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخرج (٢) ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ. ذعر
(٢) لباب النقول.
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي
هاشم محمد علي مهدي