الله لا يهديهم ولا يريد هدايتهم، ثم وصفهم بأنهم مطبوع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.
١٠٨ - فقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ الآية. والكلام في هذا مضى (١).
وقوله تعالى: وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ قال ابن عباس: عما يراد بهم (٢)، ثم حكم لهم بالخسار وأكَّدَ ذلك،
١٠٩ - فقال: لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ قال ابن عباس: يريد حقًا إنهم في الآخرة هم المغبونون (٣)، قال أبو إسحاق: (أنَّ) يصلح أن تكون في موضع رفع، على أَنّ (لا) رَدٌّ لكلام، والمعنى: وجب أنَّهُم، قال: ويجوز أن تكون في موضع نَصْبٍ على أن المعنى: جَرَمَ فِعْلُهُمْ هذا، أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ أي كَسَب (٤).
١١٠ - قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا قال المفسرون: نزلت في المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة، عَمَّار وصُهيب وبلال، ودونهم الذين عُذِّبُوا في الله وارتدوا على الكفر
(١) النساء [آية: ١٥٥].
(٢) انظر: "تفسير الفخر الرازي" ٢٠/ ١٢٤، وأبي حيان ٥/ ٥٤٠، و"تفسير الألوسي" ١٤/ ٢٣٩، والخازن ٣/ ١٣٧، بلا نسبة.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" ص ٢٩٣، و"تفسير البغوي" ٥/ ٤٧، بلا نسبة.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٢٠، بنصه تقريبًا.
وأعطوهم بعضَ ما أرادوا لِيَسْلَمُوا من شَرِّهم، ثم (هاجروا إلى النبيّ -صلى الله عليه وسلم- (١).
[قال ابن عباس: يريد الذين كانوا يُعَذَّبون بمكة، هَاجَرُوا) (٢) مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا قال: من بعد ما عُذِّبُوا، ثُمَّ جَاهَدُوا: مع النبي -صلى الله عليه وسلم-] (٣)، وَصَبَرُوا: على الدين والجهاد (٤).
وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ إعادة وتكريرٌ لما ذكر في الآية؛ وذلك لتطاول الكلام، وأجيب كلاهما بجواب واحد، وهذا من القبيل الذي ذكرنا في قوله: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ الآية.
وقوله تعالى: مِنْ بَعْدِهَا: تلك الفتنة وتلك الفعلة التي فعلوها وهي تلفظهم بكلمة الكفر، لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وذلك أن الرخصة لم تكن نازلة في ذلك الوقت حين تلفظوا بالكفر تقية، وإنما نزلت بعد ذلك فأخبر
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (د).
(٤) انظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٤٩٧، و"الدر المنثور" ٤/ ٢٥٠، وعزاه إلى البيهقي في سننه -لم أجده- وابن مردويه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" ١/ ٢٠٨ أ، والثعلبي ٢/ ١٦٥ أ، والسمرقندي ٢/ ٢٥٢، والبغوي ٥/ ٤٧، والخارن ٣/ ١٣٧.
الله تعالى بعد ذلك أنه قد غفر لهم ذلك، هذا قول عامة أهل التأويل (١).
وقال عطاء عن ابن عباس: إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا يريد من بعد ما خرجوا إلى النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وصاروا عنده بالمدينة، غفر الله لهم مقامهم بمكة وتثبطهم بها، عفا الله ذلك عنهم (٢)، فعلى هذا الكناية في بَعْدِهَا تعود إلى الهجرة، ودلّ عليها: هَاجَرُوا، والمغفرة لمقامهم بمكة وتخلفهم عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بعد خروجه، وقرأ ابن عامر فَتنوا، بفتح الفاء (٣)، ومعنى هذا للذينَ هاجَروا مِن بعدِ ما فَتنُوا أنفسهم بإظهار ما أظهروا للتقية، وجعل ذلك فتنة؛ لأن الرخصة فيه لم تكن نزلت بعد (٤).
وذهب قوم من المفسرين إلى أن الآية نزلت في قوم من الذين كانوا يُعذِّبون المستضعفين بمكة، آمنوا وهاجروا إلى النبيّ -صلى الله عليه وسلم- (٥) فقال الله
(٢) ورد مختصرًا غير منسوب في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٥٣، والزمخشري ٢/ ٣٤٥، وابن عطية ٨/ ٥٢٥، وابن الجوزي ٤/ ٤٩٩، والفخر الرازي ٢٠/ ١٢٦.
(٣) انظر: "السبعة" ص ٣٧٦، و"إعراب القراءات السبع وعللها" ١/ ٣٦٠، و"علل القراءات" ١/ ٣٠٩، و"الحجة للقراء" ٥/ ٧٩، و"المبسوط في القراءات" ص ٢٢٦، و"التبصرة" ص ٤٦٦، و"التيسير" ص ١٣٨، و"المُوضح في وجوه القراءات" ٢/ ٧٤٥.
(٤) ورد في "الحجة للقراء" ٥/ ٧٩، بنصه تقريبًا، لكنه قال: لأن الرخصة فيه لم تكن نزلت بعد، وقد تصحفت في المصدر (الرخصة) إلى (الرحمة). وورد بنحوه في "الكشف عن وجوه القراءات" ٢/ ٤١، و"تفسير الطوسي" ٦/ ٤٣١، وانظر: "المُوضح في وجوه القراءات" ٢/ ٧٤٥، و"تفسير الفخر الرازي" ٢٠/ ١٢٥.
(٥) ورد بنحوه في "إعراب القراءات السبع وعللها" ١/ ٣٦١، و"الكشف عن وجوه =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي