المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أنه منزّه عن الشريك والولد، وأنه لا إله إلا هو، وأمر بتقواه وإخلاص العبادة له – ذكر هنا أدلة التوحيد واتصاف ذاته الكريمة بصفات الجلال والإكرام بأسلوب بديع جمع فيه بين دلالة المصنوع على الصانع والنعمة على المنعم، ونبه بذلك إلى أن كل واحد من هذا كاف في صرف المشركين عما هم عليه من الشرك، وكلما بصرهم طائفة مما يرون ويشاهدون بكتهم على ما يقولون ويفعلون، وبين لهم كفرانهم نعمتي الرعاية والهداية، فاحتج على وجوده بخلق الأجرام الفلكية، ثم ثنى بذكر أحوال الإنسان، ثم ثلّث بذكر أحوال الحيوان، ثم ربّع بذكر أحوال النبات، ثم اختتم القول بذكر أحوال العناصر الأربعة.
وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره أي ومن نعمه تعالى، عليكم مضافة إلى النعم التي سلف ذكرها – أن سخر لكم الليل والنهار يتعاقبان، خلفة لمنامكم واستراحتكم. وتصرفكم في معايشكم وسعيكم في مصالحكم وسخر لكم الشمس والقمر يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالة وخلافة، وأدائهما ما نيط بهما من تربية الأشجار والزرع وإنضاج الثمرات وتلوينها إلى نحو ذلك من الآثار والمنافع التي ربطها سبحانه بوجودهما، وبهما يعرف عدد السنين والشهور، وفي ذلك صلاح معايشكم، وسخر لكم النجوم بأمره تجري في أفلاكها بحركة مقدرة لا تزيد ولا تنقص لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر.
إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون أي إن في ذلك التسخير لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله ويفهمون ما نبههم إليه بها.
وعبر هنا بالعقل وفي خاتمة الآية السالفة بالتفكر، من قبل أن الآثار العلوية متعددة، ودلالة ما فيها من عظيم القدرة والعلم والحكمة على الوحدانية ظاهرة لا تحتاج إلا إلى العقل من غير تفكر ولا تأمل، بل تدرك بالبديهة، بخلاف الآثار السفلية من الزرع والنخيل والأعناب فهي تحتاج في دلالتها على وجود الصانع إلى فكر وتدبر ونظر شديد.
تفسير المراغي
المراغي