ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ

ولا بد من الواسطة في الوصول إلى هذا، إما رسول أو خليفته، كما قال تعالى :
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : في الرد على قريش، حيث قالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا : وما أرسلنا من قَبْلِكَ يا محمد إلا رجالاً بشرًا، يوحى إليهم كما يُوحى إليك. فليس ببدع أن يكون الرسول بشرًا، بل جرت السنة الإلهية بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشرًا يوحى إليه على ألسنة الملائكة ؛ إذ لا يطيق كل البشر رؤية الملائكة ولا التلقي منهم. فإن شككتم فاسألوا أهل الذكر : أهل الكتاب، أو علماءهم الأحبار، أي : الذين لم يسلموا، لأنهم لا يتهمون في شهادتهم، من حيث إنهم مدافعون في صدر ملة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنتم إلى تصديق من لم يؤمن من أهل الكتاب أقرب من تصديقكم المؤمنين منهم، فاسألوهم ؛ ليخبروكم : هل كانت الرسل ملائكة أو بشرًا، إن كنتم لا تعلمون ذلك.
قال البيضاوي : وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا ملكًا للدعوة العامة. وأما قوله : جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً [ فَاطِر : ١ ] ؛ فمعناه : رسلاً إلى الأنبياء. وقيل : لم يُبعثوا إلى الأنبياء إلا متمثلين بصورة الرجال. ورُدَّ بما رُوي أنه عليه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين. وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم. ه. ومفهوم قوله :" الدعوة العامة " : أن الدعوة الخاصة ؛ كالأنبياء - عليهم السلام-، فإن الله يبعث إليهم الملك ليعلمهم أمر دينهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كما لم يبعث الله في الدعوة العامة - وهي دعوة الرسالة - إلا رجالاً من البشر، كذلك لم يبعث الله في الدعوة الخاصة - وهي دعوة الولاية إلى سر الخصوصية - إلا رجالاً من البشر أحياء، يُربون التربية النبوية العرفية، فلا يصلح للتربية النساء ؛ لقلة عقلهن، ولا الجن ؛ لانحرافه عن الاعتدال الذي في البشر، ولا الميت ؛ لعدم وجود بشريته ؛ فإنَّ بشرية الحي تمد البشرية، والروحانية تمد الروحانية.
فلا تتهذب البشرية إلا بشهود بشرية الشيخ، ولا تصفى الروحانية إلا بالقرب من روحانية الشيخ. ولذلك قالوا : الثدي الميتة لا تُرضع. وقولنا :" التربية العرفية " ؛ أعني : بالصحبة العرفية، وأما التربية الغيبية، على وجه خرق العادة، كطيران الشيخ إلى المريد، أو المريد إلى الشيخ، فلا تجد صاحب هذه التربية إلا منحرفًا لإحدى الجهتين، إما إلى الحقيقة أو إلى الشريعة، بخلاف التربية العرفية، فلا يكون صاحبها، في الغالب، إلا معتدلاً كاملاً.
وقوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر ؛ هم العارفون بالله، فإذا أشكل علينا أمر من أمر القلوب ؛ كأسرار التوحيد، وأمر الخواطر، رجعنا إليهم ؛ لأنهم أهل الذوق والكشف، يُجيبون سائلهم بالهمة والحال، حتى يقلعوا عروق ما أشكل على السائل، إن أتاهم متعطشًا لهفانًا، وكذا ما أشكل في أمر الدنيا، من فعل تريد أن تفعله أو تتركه، فينبغي الرجوع إليهم ؛ لأنهم ينظرون بنور الله، فلا ينطقهم الله إلا بما هو حق سبق به القدر. وأما أمور الدين، فإن كان له علم بالشريعة الظاهرة فالرجوع إليه، وإن لم يكن له علم بالظاهر، فالعلماء قائمون بهذا الأمر.
وقوله تعالى : إن كنتم لا تعلمون ؛ يُفهم منه أن من كان من أهل الفهم عن الله، يأخذ العلم عن الله بإلهام أو تجل حقيقي، فلا يحتاج إلى سؤالهم، حيث صفت مرآة قلبه، وقد يكون الولي ذاكرًا، باعتبار قوم، وغير ذاكر، باعتبار آخرين، الذين هم أنهض منه حالاً، وأصوب مقالاً. والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير