قوله تعالى :( من بعده )أي : من بعد موسى ( اسكنوا الأرض )أغلب العلماء قالوا : أي الأرض المقدسة التي هي بيت المقدس، التي قال تعالى عنها : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم.. " ٢١ " ( سورة المائدة ) : فكان ردهم على أمر موسى بدخول بيت المقدس : إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها.. " ٢٢ " ( سورة المائدة ).
وقالوا : إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون " ٢٤ " ( سورة المائدة ).
لكن كلمة ( الأرض )هنا جاءت مجردة عن الوصف ( اسكنوا الأرض )دون أن يقيدها بوصف، كما نقول : أرض الحرم، أرض المدينة، وإذا أردت أن تسكن إنساناً وتوطنه تقول : اسكن أي : استقر وتوطن في القاهرة أو الإسكندرية مثلاً، لكن اسكن الأرض، كيف وأنا موجود في الأرض بالفعل ؟ ! لابد أن تخصص لي مكاناً اسكن فيه.
نقول : جاء قوله تعالى ( اسكنوا الأرض )هكذا دون تقييد بمكان معين، لينسجم مع آيات القرآن التي حكمت عليهم بالتفرق في جميع أنحاء الأرض، فلا يكون لهم وطن يتجمعون فيه، كما قال تعالى :
وقطعناهم في الأرض أمماً.. " ١٦٨ " ( سورة الأعراف ) : والواقع يؤيد هذا، حيث نراهم متفرقين في شتى البلاد، إلا أنهم ينحازون إلى أماكن محددة لهم يتجمعون فيها، ولا يذوبون في الشعوب الأخرى، فتجد كل قطعة منهم كأنها أمة مستقلة بذاتها لا تختلط بغيرها. وقوله تعالى : فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً " ١٠٤ " ( سورة الإسراء ) : والمراد بوعد الآخرة : هو الإفساد الثاني لبني إسرائيل، حيث قال تعالى عن إفسادهم الأول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا " ٤ " فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا " ٥ " ( سورة الإسراء ).
فقد جاس رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال ديارهم في المدينة، وفي بني قريظة وبني قينقاع، وبني النضير، وأجلاهم إلى أذرعات بالشام، ثم انقطعت الصلة بين المسلمين واليهود فترة من الزمن. ثم يقول تعالى عن الإفسادة الثانية لبني إسرائيل : فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيراً " ٧ " ( سورة الإسراء ).
وهذه الإفسادة هي ما نحن بصدده الآن، حيث سيتجمع اليهود في وطن واحد ليتحقق وعد الله بالقضاء عليهم، وهل يستطيع المسلمون أن ينقضوا على اليهود وهم في شتيت الأرض ؟ لابد أن الحق سبحانه أوحى إليهم بفكرة التجمع في وطن قومي لهم كما يقولون، حتى إذا أراد أخذهم لم يفلتوا، ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
وهذا هو المراد من قوله تعالى : جئنا بكم لفيفاً " ١٠٤ " ( سورة الإسراء ) : أي : مجتمعين بعضكم إلى بعض من شتى البلاد، وهو ما يحدث الآن على أرض فلسطين.
تفسير الشعراوي
الشعراوي