إيتاء الحقوق لأربابها
" و آت ذا القربى حقه والمسكين و ابن السبيل و لا تبذر تبذيرا.
إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا.
و إما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا.
و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا.
إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر، إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ".
( ' سورة الإسراء : الآيات من ٢٩ حتى ٣١ ).
تمهيد :
الإنسان مدني بالطبع :
الناس كلهم في حاجة مشتركة إلى بعضهم(١). و ما من أحد إلا وله حقوق على غيره، و لغيره حقوق عليه.
و لهذه الحاجة المشتركة و الحقوق الممتزجة كان الاجتماع و التعاون ضروريين لحياة المجتمع البشري، واطراد نظامه.
و قيام كل واحد من أفراد المجتمع بما عليه من حقوق نحو غيره هو الذي يسد تلك الحاجة المشتركة بين الناس. وعندما يؤدي كل واحد حق غيره فليست خدمته له وحده، بل هي خدمة للمجتمع كله. و بالأحرى، هي خدمة له هو في نفسه، لأنه جزء من المجتمع. و ما يصيب الكل يعود على جزئه.
المجتمع السعيد :
فإذا تواردت أفراد المجتمع على هذه التأدية سعدت و سعد مجتمعها بنيله حاجيات الحياة ولوازم البقاء والتقدم في العمران.
أما إذا توانى الأفراد في القيام بالحقوق، وقصروا في تأديتها إلى بعضهم، فإن الحاجة المشتركة من العلم، والثقافة، وحفظ الصحة، والأخلاق، وأنواع الصناعة تتعطل، وبتعطلها يختل نظام الاجتماع، ويعود إلى الانحلال والتقهقر، وينحط بأفراده إلى أسفل الدركات.
وجه الارتباط
فلهذا بعد ما أمر الله تعالى بإيتاء حقه – وهو توحيده في عبادته – أمر بإيتاء حقوق العباد القريب منهم والبعيد.
***
حق القريب :
" و آت ذا القربى حقه " :
ابتدأ بحق القربى لوجوه :
الأول : أنه هو مقتضى طبيعة الترتيب.
الثاني : تأكيد حق القريب.
الثالث : أن من حكمة التربية أن يبدأ من الأوامر بما تعين فطرة النفوس الإنسانية على قبوله ببداهة الفكرة، أو بشعور العاطفة. وكلتا هاتين يجب للنفس إيتاء حق القريب بابتدائه في الأمر، ليكون تقبلها له أسهل، ومبادرتها للامتثال أسرع.
فإذا سخت النفوس بإيتاء حق القريب، ومرنت عليه، اعتادت الإيتاء و صار من ملكاتها فسهل عليها إيتاء كل حق، و لو كان لأبعد الناس.
و شيء آخر، وهو أن الأقارب قد تكون بينهم المنافسات والمنازعات لقريب المنازل، أو تصادم المنافع، أو التشاح على المواريث ما لا يكون بين الأباعد، فيقطعوا حق القرابة ويهدموا بناء الأسرة، و يعود ذلك عليهم أولا بالوبال، ويرجع ثانيا على مجتمعهم – والمجتمع مؤلف من الأسر – بالتضعضع، فكان هذا من جملة ما يقتضي الابتداء بحقهم إلى المقتضيات المتقدمة الأخرى.
المفردات
و قوله تعالى :" ذا القربى "، عام يشمل الأصل – وهو الأبوان – وما يتصل بالمرء من ناحيتهما من أصولهما وفصولهما، ويشمل الفصل – و هو الأبناء والبنات – وما يتصل به منهما من فصول.
غير أن الوالدين لمزيد العناية بهما خصصا بالذكر في الآيات المتقدمة، و إن كانا داخلين في هذا العموم.
( والحق ) في قوله تعالى :" حقه " هو الثابت له شرعا، المبين في آيات من الكتاب من صلة رحم، ونصيب إرث، ونفقة فرض، و ندب، وإحسان بالقول والعمل، ومؤاساة عن محبة وعطف.
***
حق المسكين :
" وآت ذا القربى حقه والمسكين ".
المسكين والفقير
قد ذكر في آية الزكاة للفقير والمسكين. والحق أنهما متغايران ؛ والراجح أن الفقير من له بلغة(٢) لا تكفيه. والمسكين من لا شيء له، فهو أشد(٣) حالا من الفقير ؛ ولذا لما أريد هنا ذكر أحدهما اقتصر عليه تنبيها بالأعلى في الفقر على الأدنى، فالمراد أهل الفقر والحاجة كلهم.
و حق المساكين ما ثبت لهم من الزكاة، و كذلك ما تدعوا إليه الحاجة من تعليمهم، و إيوائهم، و تجهيز موتاهم، مما تقوم به الجمعيات الخيرية في هذا العصر.. فكل هذا مما تصرف إليه الزكاة، ويجب القيام به عند عدم الزكاة أو فنائها، أو قصورها عنه.
و يجب القيام به واجبا موزعا على كل واحد ما استطاع. فإذا لم يقم به المجتمع عاد الإثم على جميع الأفراد كل بقدر ما قصر فيما استطاع.. ثم ما إلى هذا من عموم الصدقة والإحسان.
***
حق ابن السبيل
" و آت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل " :
( السبيل ) هي الطريق، وابنها هو المسافر ؛ لأنه منها أتى كما أتى الابن من أمه.
( وحقه ) هو الثابت له في الزكاة، فيأخذ منها إذا قطع به ولم يكن
معه ما يبلغه ولو كان غنيا في بلده، وعلى جماعة المسلمين تبليغه إذا لم تكن ثم زكاة، ومن حقه ضيافتها حسب السنة(٤)و إرشاده و دلالته على ما يريد معرفته من طريقه أو مرافقها.
الآية جامعة
و بذكر ابن السبيل والمسكين مع ذي القربى.. جمعت الآية القريب والبعيد من ذوي الحقوق.
وبذكر ابن السبيل والمسكين. جمعت ذا الحاجة الثابتة. وهو المسكين، والحاجة العارضة وهو ابن السبيل، وقدم الأول لأصالة حاجته، و في ذكرهما أيضا جمع ما بين القريب الدار، والبعيد الدار والمسافر.
كل هذا ليعلم أن ذا الحق يعطي حقه على كل حال. وبقطع النظر عن أي اعتبار. وسمي هؤلاء الثلاثة بأسمائهم المذكورة ؛ لأنها ترقق عليهم القلوب، من القربة والمسكنة، وغربة الطريق.
و سمي ما ينالونه ( حقا ).. ليشعر المكلف بتأكده، ويحذر المعطي المن به، فلا ينكسر قلب آخذه ! !
***
الإنفاق في غير وجه شرعي :
" ولا تبذر تبذيرا " :
المال قوام الأعمال، و أداة الإحسان، وبه يمكن القيام بالحقوق : فصاحبه هو مالكه، ولكن الحقوق فيه تشاركه، ولا يقوم له بجميع تلك الوجوه إلا إذا أحسن التدبير في التفريق، و أساص الحكمة في التوزيع.
فلذا بعدما أمر الله تعالى بإعطائه الحقوق لأربابها.. نهى عن تبذير المال الذي هو أصلها، و به يمكن إعطاؤها.
( والتبذير ) هو التفريق للمال في غير وجه شرعي، أو في وجه شرعي دون تقدير، فيضر بوجه آخر :
فالإنفاق في المطلوبات ليس بتبذير و لو كان كثيرا. إلا إذا أنفق في مطلوب دون تقدير فأضر بمطلوب آخر : كمن أعطى قريبا، وأضاع قريبا آخر، أو أنفق في وجوه البر وترك أهله يتضورون بالجوع. وقد نبه النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – على هذا بقوله :" وابدأ بمن تعول ".
و الإنفاق في المباحات إذا لم يضيع مطلوبا، ولم يؤد إلى ضياع رأس المال، بحيث كان ينفق في المباح من فائدته ليس بتبذير. ف إذا توسع في المباحات و قعد عن المطلوبات، أو أداه إلى إفناء ماله فهو تبذير مذموم.
و أفادت النكرة و هي قوله :" تبذيرا " بوقوعه بعد النهي(٥)العموم. فهو نهي عن كل نوع من أنواع التبذير : القليل منه و الكثير، حتى لا يستخف بالقليل ؛ لأن من تساهل في القليل وصلت به العادة إلى الكثير.
| الناس للناس من بدو وحاضرة | بعض لبعض و إن لم يشعروا خدم. |
٢ ما تبلغ به من مال و مؤنة.
.
٣ أكثر فقرا..
٤ حيث أوصي الرسول صلى الله عليه و آله وسلم بإكرام الضيف، في قوله :" من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه "
.
٥ و لا تبذر.
.
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي