ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

حفظ الأموال باحترام الملكية
" و لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا.
و أوفوا الكيل إذا كلتم و زنوا بالقسطاس المستقيم، ذلك خير و أحسن تأويلا ".
مال الشخص : هو ما كان ملكا له
المفردات والتراكيب
( واليتيم ) : هو من عدم أباه، من اليتم بمعنى الانفراد، ومنه الدرة اليتيمة. و من عدم أباه فقد عدم ناصره. فإذا بلغ النكاح فقد بلغ القوة، فاستغنى عن الناصر، فلا يقال فيه يتيم في اللغة.
و اعتبر الشرع الشريف وجود قوة العقل فمنع استغلاله، ودفع ماله إليه بعد البلوغ حتى يؤنس منه الرشد.
( والتي هي أحسن( : الفعلة والخصلة التي هي أنفع.
و البلوغ إلى الشيء : الوصول والانتهاء إليه.
( والأشد ) : جمع شدة كأنعم جمع نعمة، فالأشد هو القوى. وبلوغ الأشد هو بولغ القوى، والوصول إلى الحالة التي تحصل فيها القوى للإنسان، القوى البدنية، والقوى العقلية. و لا يقال في الشخص قد بلغ أشده إلا إذا حصل على قواه من الجهتين. فأما القوى البدنية فعلامة حصولها هو البلوغ. و أما القوى العقلية فعلامة حصولها هو الرشد الذي يظهر في حسن التصرف.
وقد جمع العلامتين قوله تعالى :" وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم١ ".
فابتداء الأشد من البلوغ إذا كان معه رشد، و لا يزال يتدرج حتى يستكمل في الأربعين، كما قال تعالى :
" حتى إذا بلغ أشده، و بلغ أربعين سنة٢ ". فالأربعون هي سن الاستكمال، والاستواء، والتمام في القوى، وهي السن التي بعث الله فيها النبي – صلى الله عليه و آله وسلم – للعالمين بشيرا ونذيرا.
ولا يزال الإنسان في قوته – ما لم تعرض الطوارىء – إلى الخمسين ثم يأخذ في التراجع.
وجه الارتباط
مال المرء كقطعه من بدنه، ويدافع عنه كما يدافع عن نفسه. و به قوام أعماله في حياته.
فالأموال مقرونة بالنفوس في الاعتبار ؛ فقرنت في النظم آية حفظ الأموال بآيات حفظ النفوس، كما فرن بينهما النبي – صلى الله عليه و آله وسلم – في قوله٣ :
فإن دماءكم، و أموالكم، و أعراضكم عليكم حرام ".
مال اليتيم
نهى تعالى عن قربان مال اليتيم إلا بالوجه الذي هو أنفع، فلا بد لكافل اليتيم من النظر والتحري عند التصرف في ماله : حتى يعرف ما هو ضار و ما هو نافع، و ما هو لا ضار و لا نافع، و ما هو أنفع ؛ فلا يتصرف إلا بما هو نافع. فإذا تعارض وجهان نافعان تحرى أنفعهما لليتيم. و في هذا النهي _ بطريق الأحر – تحريم أخذ مال اليتيم بالباطل، والتعدي عليه ظلما٤.
و مثل اليتيم في وجهي النهي المتقدمين غيره ؛ فكل ذي ولاية أو أمانة على مال غيره يجب عليه أن يتحرى التحري المذكور.
كما يحرم على كل أحد أن يتعدى على مال غيره.
و إنما خص اليتيم بالذكر، لأنه ضعيف لا ناصر له، والنفوس أشد طمعا في مال الضعيف، فالعناية به أوكد، والعقوبة عليه أشد.
ومن تأدب بأدب الآية في مال الضعيف كاليتيم، كان حقيقا أن يتأدب بأدبها في مال غيره.
من بلاغة القرآن
و من بليغ إيجاز القرآن في بيانه أنه يذكر الشيء ليدل به على تأثيره، أو الذي هو أحرى بالحكم منه، أو لكون امتثاله في غيره بالمساواة، أو الأحروية.
و أجاز تعالى لولي اليتيم واستقلاله حالتان، كلتاهما حق وخير، إذا كانت كل واحدة منهما في وقتها المناسب لها وكل واحدة منهما تكون ظلما و شرا إذا كانت في غير وقتها المناسب لها. فلذا بين تعالى الحالتين ووقتهما بما قبل ( حتى ) و ما بعدها : فوقت عدم بلوغ الأشد هو وقت الولاية.
حكم الولاية
فمن الفروض الكفائية على الأمة أن يكون أيتامها مكفولين غير مهملين.
ووقت بلوغ الأشد – ببلوغ الحلم والرشد – هو وقت استقلال من كان يتيما ووقت دفع ماله إليه، فلا يجوز حينئذ الاستيلاء على ماله و السيطرة عليه.
الوفاء بالعهد :
" و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا ".
المفردات واللغة
أوفى العهد إذا أتى بما التزم تاما وافيا. والعهد من عهد إليه بالشيء إذا أعلمه به. قال تعالى :" وعهدنا إلى آدم من قبل فنسي ". أي أعلمناه. فالعهد هو الإعلام بالالتزام، أو الإعلام بما يلتزم :
فمن الأول : عاهدت زيدا على كذا، أي أعلمته بالتزامي لهن وتعاهد القوم على الموت أي أعلم بعضهم بعضا بالتزامه.
ومن الثاني : عهد الله إلى العباد أي إعلامهم بما عليهم أن يلتزموه.
و قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه :( الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا و عهدنا إليكم ). أي إعلامه لنا و إعلامنا لكم بما يلتزم.
( والمسؤول ) من سأل، و سأل بمعنى طلب : إما طلب علما، و إما طلب شيئا، فإن كانت الأولى تعدى الفعل إلى المفعول الثاني بعن، تقول : سألته عن كذا فأجابني، و إن كانت الثانية تعدى الفعل إليه بنفسه تقول : سألته ثوبا فأعطانيه.
فقوله تعالى :" إن العهد كان مسؤولا "
إذا كان من الأولى فالأصل مسؤولا عنه فحذف إيجاز لظهور المراد.
و إذا كان من الثاني فلا حذف و معنى حينئذ مطلوب أي مطلوب الوفاء به.
ضرورة الوفاء بالعهد :
الوفاء بالعهد شرط ضروري لحصول السعادتين :
عهد الله تعالى لعباده هو ما شرعه لهم من دينه، فوفاؤهم بعهده قيام بأعباء ذلك الدين الكريم، وانتظام شؤونهم في هذه الحياة – أفرادا و جماعات و أممار – متوقف على الوفاء من بعضهم لبعض بما بينهم من عهود ؛ فالوفاء ضروري لنجاة العباد مع خالقهم ؛ و لسلامتهم من الشرور و الفوضى و الفتن. وضروري – إذن – لتحصيل سعادة الدنيا و سعادة الآخرة.
و لمكانة هذا الأصل و ضرورته تكرر في الكتاب و السنة الأمر به على وجه عام بين الأفراد و الأمم، بلا فرق بين الأجناس و الملل. وجاء هنا في آية الوصاية باليتيم – و هي آية حفظ الأموال باحترام الملكية – لوجهين.
الأول : أن الكافل لليتيم قد أعلن بكفالته – بلسان حاله- أنه ملتزم لحفظه في بدنه وماله، فهذا عهد منه يطالب بالوفاء به، ويسأل عن ذلك الوفاء.
الثاني : أن الآية في حفظ الأموال و عدم التعدي على ملك أحد.
والناس يتعاملون بحكم الضرورة، ويبنون تعاملهم على تبادل الثقة و العهود المبذولة من بعضهم لبعض بلسان المقال أو بلسان الحال، فأمروا بالوفاء بالعهد الذي هو أساس للتعامل، وفي ذلك سلامة مال كل أحد من التعدي عليه.
و لا ينافي هذا عموم اللفظ الذي يقتضي الأمر بالوفاء عاما، لأنه باق على عمومه٥و إنما يدخل فيه هذان الوجهان المذكوران في ارتباط النظم دخولا أوليا.
ومن بديع إيجاز القرآن في نظم الآيات أن يؤتى باللفظ مفيدا للعام، و مقويا للخاص.
الترغيب في الوفاء، والترهيب من الخيانة :
معنى السؤال عن العهد
" إن العهد كان مسؤولا "
إذ كان مسؤول بمعنى مطلوب، أي مطلوب الوفاء به، فإنه مطلوب في الفطرة، و في الشريعة ؛ فالعباد فطروا على استحسان الوفاء، و مطالبة
تفسير بن باديس – م ( ١٠ )
بعضهم بعضا به، والشرع طالبهم بالوفاء وشرعه لهم، ووعدهم الثواب عليه – ففي قوله :" إن العهد كان مسؤولا " ترغيب لهم في الوفاء بحسنه و مشروعيته وحسن الجزاء عليه. و يتضمن هذا الترغيب التخويف من ترك المطلوب.
و إذا كان مسؤول بمعنى مسؤول عنه، فإن المعنى أن الله تعالى يسأل العباد يوم القيامة عن عهودهم : هل أوفوا بها ليجازيهم على الوفاء بحسن الجزاء، و على الخيانة بالعذاب و الإهانة ؟ فينصب لكل غادر لواء يوم القيامة، ويقال :" هذه غدرة فلان "، كما جاء في الصحيح. ففي الآية على هذا – أيضا – ترغيب وترهيب.

١ سورة النساء الآية ٥.
.

٢ سورة الاحقاف، الآية ١٥
.

٣ في حجة الوداع.
.

٤ وحسب المعتدين قوله تعالى: " إن اللذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا، و سيطلون سعيرا".
.

٥ فيجب الوفاء بكل شيء.
.

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير