وهنا أيضاً يقول الحق سبحانه : ولا تقربوا.. " ٣٤ " ( سورة الإسراء ) : ولم يقل : ولا تأكلوا مال اليتيم ليحذرنا من مجرد الاقتراب، أو التفكير في التعدي عليه ؛ لأن اليتم مظهر من مظاهر الضعف لا صح أن تجترئ عليه.
و( اليتيم )هو من مات أبوه وهو لم يبلغ مبلغ الرجال وهو سن الرشد، ومادام قد فقد أباه ولم يعد له حاضن يرعاه، فسوف يضجر ويتألم ساعة أن يرى غيره من الأولاد له أب يحنو عليه، وسوف يحقد على القدر الذي حرمه من أبيه.
فيريد الحق سبحانه وتعالى أولاً أن يستل من قلب اليتيم وفكره هذه المشاعر ؛ لذلك يوصي المجتمع به ليشعر أنه وإن فقد أباه فالمؤمنون جميعاً له آباء، وفي حنوهم وعطفهم عوض له عن وفاة والده. وكذلك حينما يرى الإنسان أن اليتيم مكرم في مجتمع إيماني يكفله ويرعاه، ويعتبره كل فرد فيه ابناً من أبنائه، يطمئن قلبه ولا تفزعه أحداث الحياة في نفسه، ولا يقلق إن قدر له أن ييتم أولاده، فسوف يجدون مثل هذه الرعاية، ومثل هذا الحنان من المجتمع الإيماني.
إذن : إن وجد اليتيم في المجتمع عوضاً عن أبيه عطفاً وحناناً ورعاية يرضى بما قدر له، ولا يتأبى على قدر الله، وكذلك تطمئن النفس البشرية إن قدر عليها اليتم في أولادها. ثم يقول تعالى : إلا بالتي هي أحسن.. " ٣٤ " ( سورة الإسراء ) : أي : لا تنتهز يتم اليتيم، وأنه ما يزال صغيراً ضعيف الجانب فتطمع في ماله، وتأخذه دون وجه حق. وقوله : إلا بالتي هي أحسن.. " ٣٤ " ( سورة الإسراء ).
استثناء من الحكم السابق ( ولا تقربوا )يبيح لنا أن نقرب مال اليتيم، ولكن بالتي هي أحسن.
و( أحسن )أفعل تفضيل تدل على الزيادة في الإحسان فكأن لدينا صفتين ممدوحتين : حسنة وأحسن، وكأن المعنى : لا تقربوا مال اليتيم بالطريقة الحسنة فحسب، بل بالطريقة الأحسن. فما الطريقة الحسنة ؟ وما الطريقة الأحسن ؟
الطريقة الحسنة : أنك حين تقرب مال اليتيم لا تبدده ولا تتعدى عليه. لكن الأحسن : أن تنمي له هذا المال وتثمره وتحفظه له، إلى أن يكون أهلاً للتصرف فيه. لذلك فالحق سبحانه حينما تكلم عن هذه المسألة قال : وارزقوهم فيها.. " ٥ " ( سورة النساء ) : ولم يقل : وارزقوهم منها ؛ لأن الرزق منها ينقصها، لكن معنى : وارزقوهم فيها.. " ٥ " ( سورة النساء ) : أي : من ريعها وربحها، وليس من رأس المال. وإلا لو تصورنا أن أحد الأوصياء على الأيتام عنده مال ليتيم، وأخذ ينفق عليه من هذا المال، ويخرج منه الزكاة وخلافه، فسوف ينتهي هذا المال ويبلغ اليتيم مبلغ الرشد فلا يجد من ماله شيئاً يعتد به.
وكأن الحق تبارك وتعالى يقول : حققوا الحسن أولاً بالمحافظة على مال اليتيم، ثم قدموا الأحسن بتنميته له وزيادته زيادة تتسع لنفقات حياته، وإلا فسوف يشب الصغير، وليس أمامه من ماله شيء.
والحق سبحانه وتعالى يريد ألا يحرم اليتيم من خبرة أصحاب الخبرة والصلاحية الاقتصادية وإدارة الأموال، فقد يكون من هؤلاء من ليس لديه مال يعمل فيه، فليعمل في مال اليتيم ويديره له وينميه، وليأكل منه بالمعروف، وإن كان غنياً فليستعفف عنه ؛ لأنه لا يحل له، يقول تعالى : ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف.. " ٦ " ( سورة النساء ) : لأن الإنسان إذا كان عنده خبرة في إدارة الأموال ولديه الصلاحية فلا نعطل هذه الخبرة، ولا نحرم منها اليتيم، وهكذا نوفر نفقة صاحب الخبرة الذي لا يجد مالاً، ونفقة اليتيم الذي لا يستطيع إدارة أمواله، وبذلك يتم التكامل في المجتمع الإيماني.
ثم يقول تعالى : حتى يبلغ أشده.. " ٣٤ " ( سورة الإسراء ) : أي : حتى يكبر ويبلغ مبلغ الرجال، ولكن هل هذه الصفة كافية لكي نعطي لليتيم ماله وقد بلغ سن الرشد والتكليف ؟
في الحقيقة أن هذه الصفة غير كافية لنسلم له ماله يتصرف فيه بمعرفته ؛ لأنه قد يكون مع كبر سنه سفيهاً لا يحسن التصرف، فلا يجوز أن نترك له المال ليبدده، بدليل قوله تعالى : فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم.. " ٦ " ( سورة النساء ).
وقال في آية أخرى : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم.. " ٥ " ( سورة النساء ) : ولم يقل : أموالهم، لأن السفيه ليس له مال، وليس له ملكية، والمال مال وليه الذي يحافظ عليه وينميه له.
إذن : فالرشد وهو سلامة العقل وحسن التصرف، شرط أساسي في تسليم المال لليتيم ؛ لأنه أصبح بالرشد أهلاً للتصرف في ماله.
وكلمة ( أشده )أي : يبلغ شدة تكوينه، ويبلغ الأشد أي : تستوي ملكاته استواءً لا زيادة عليه، فأعضاء الإنسان تنمو وتتربى مع نموه على مر الزمن، إلى أن يصل سن الرشد ويصبح قادراً على إنجاب مثله، وهذه سن الأشد أي : الاستواء.
لذلك أجل الله تعالى التكليف للإنسان إلى سن البلوغ ؛ لأنه لو كلفه قبل أن يبلغ ثم طرأ عليه البلوغ بعد التكليف لاحتج بما طرأ عليه في نفسه من تغيرات لم تكن موجودة حال التكليف. ثم يقول تعالى :
وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً " ٣٤ " ( سورة الإسراء ) :( العهد )ما تعاقد الإنسان عليه مع غيره عقداً اختيارياً يلتزم هو بنتائجه ومطلوباته، وأول عقد أبرم هو العقد الإيماني الذي أخذه الله تعالى علينا جميعاً، وأنت حر في أن تدخل على الإيمان بذاتك مختاراً أو لا تدخل، لكن حين تدخل إلى الإيمان مختاراً يجب أن تلتزم بعهد الإيمان ؛ لأن الله لا يريد منا قوالب تخضع، ولكن يريد منا قلوباً تخشع، ولو أراد الله منا قوالب تخضع ما استطاع واحد منا أن يشذ عن الإيمان بالله.
لذلك خاطب الحق تبارك وتعالى رسوله بقوله : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين " ٣ " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " ٤ " ( سورة الشعراء ) : فالله لا يريد أعناقاً، وإنما يريد قلوباً، لكن يخلط كثير من الناس إن أمرته بأمر من أمور الدين فيقول : لا إكراه في الدين.. " ٢٥٦ " ( سورة البقرة ) : نقول له : أنت لم تحسن الاستدلال، المراد : لا إكراه في أن تدخل الدين، ولكن إذا دخلت فعليك الالتزام بمطلوباته.
ومن باطن هذا العهد الإيماني تنشأ كل العقود، لذلك يجب الوفاء بالعهود ؛ لأن الوفاء بها جزء من الإيمان، فأنت حر أن تقابل فلاناً أولا تقابله، إنما إذا عاهدته على المقابلة فقد أصبحت ملزماً بالوفاء ؛ لأن المقابل لك قد رتب نفسه على أساس هذا اللقاء، فإن أخلفت معه العهد فكأنك أطلقت لنفسه حرية الحركة، وقيدت حركة الآخر.
وهذه صفة لا تليق أبداً بالمؤمنين، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من صفات المنافقين. وقوله : إن العهد كان مسئولاً " ٣٤ " ( سورة الإسراء ) : قد يكون المعنى : أي مسئولاً عنه، فيسأل كل إنسان عن عهده أوفى به أم أخلفه ؟ وقد يراد ( مسئولاً )أي : مسئول ممن تعاقد عليه أن ينقذه، وكأنه عدى المسئولية إلى العهد نفسه، فأنا حر وأنت حر، والعهد هو المسئول.
والحق سبحانه وتعالى يستعمل اسم المفعول في مواضع تقول للوهلة الأولى أنه في غير موضعه، ولكن إذا دققت النظر تجده في موضعه بليغاً غاية البلاغة، كما في قوله تعالى : وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا " ٤٥ " ( سورة الإسراء ) : هكذا بصيغة اسم المفعول، والحجاب في الحقيقة ساتر وليس مستوراً، ولكن الحق سبحانه يريد أن يجعل الحجاب صفيقاً، كأنه نفسه مستور بحجاب الغير، كما يصنع بعض المترفين ستائر البيوت من طبقتين، فتصبح الستارة نفسها مستورة، وكما في قوله تعالى : ظلاً ظليلاً " ٥٧ " ( سورة النساء ) : أي : أن الظل نفسه مظلل.
وانظر إلى حال المجتمع إذا لم تراع فيه العهود، ولم تحترم المواثيق، مجتمع يستهين أهله بالوفاء وشرف الكلمة، فسوف تجده مجتمعاً مفككاً فقدت فيه الثقة بين الناس، وإذا ما فقدت الثقة وضاع الوفاء وشرف الكلمة الذي تدار به حركة الحياة فاعلم أنه مجتمع فاشل، وليس أهلاً لرقي أو تقدم.
ولأهمية العهد في الإسلام نجده ينعقد بمجرد الكلمة، وليس من الضروري أن يسجل في سجلات رسمية ؛ لأن المؤمن تثق في كلمته حتى إن توثق وتكتب.
ومن هنا وجد ما يسمونه بالحق القضائي وبالحق الديني، فيقولون : هذا قضاءً وهذا ديانة، والفرق واضح بينهما، ويمكن أن نضرب له هذا المثل : هب أنك أخذت ديناً من صديق لك، وكتب له مستنداً بهذا الدين ليطمئن قلبه، ثم قابلته بعد أن تيسر لك السداد ووفيت له بدينه. لكنه اعتذر لعدم وجود المستند معه الآن، فقلت له : لا عليك أرسله لي متى شئت، فلو تصورنا أنه أراد الغدر بك وأنكر سداد الدين، فالقضاء يقول : له الحق في أخذ دينه، أما ديانة فليس له شيء.
إذن : العهد الذي نعقده مع الناس يدخل تحت المسئولية الدينية وليس القضائية.
تفسير الشعراوي
الشعراوي