فإِذا جاء وعدُ ؛ عقاب أُولاهما أي : أول مرتي الإفساد ؛ بأن أفسدوا في الأرض المرة الأولى بعثنا عليكم عبادًا لنا ؛ بختنصر وجنوده أُولي بأس شديد ؛ ذوي قوة وبطش في الحرب شديد، فجاسوا ؛ فترددوا لطلبكم خلال الديار ؛ وسطه ؛ للقتل أو الغارة، فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم، وحرقوا التوراة، وخربوا المسجد. وفي التذكرة للقرطبي : أنه سلط عليهم في المرة الأولى بخُتنصر، فسباهم، ونقل ذخائر بيت المقدس على سبعين ألف عَجَلَة، وبقوا في يده مائة سنة. ثم رحمهم الله تعالى وأنقذهم من يده، على يد ملك من ملوك فارس، ثم عصوا، فسلط عليهم ملك الروم قيصر. ه. قال تعالى : وكان وعدًا مفعولاً أي : وكان وعد عقابهم وعدًا مقضيًا لا بدّ أن يُفعل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد قضى الحقُّ جلّ جلاله ما كان وما يكون في سابق علمه، فما من نفَس تُبديه إلا وله قدر فيك يُمضيه. فالواجب على العبد أن يكون ابن وقته، إذا أصبح نظر ما يفعل الله به. فأسرار القدر قد استأثر الله بعلمها، وأبهم على عباده أمرَها، فلو ظهرت لبطل سر التكليف. ولذلك لما سُئل عنه سيدنا علي - كرم الله وجهه - قال للسائل :( بحر عميق لا تطيقه )، فأعاد عليه السؤال، فقال :( طريق مظلم لا تسلكه ) ؛ لأنه لا يفهم سر القضاء والقدر، إلا من دخل مقام الفناء والبقاء، وفرَّق بين القدرة والحكمة، وبين العبودية والربوبية، فإذا تحقق العارف بالوحدة، عِلَمَ أنَّ الحق تعالى أظهر من خلقه مظاهر أَعدهم للإكرام، وأظهر خلقًا أعدهم للانتقام، وأبهم الأمر عليهم، ثم خلق فيهم كسبًا واختيارًا فيما يظهر لهم، وكلفهم ؛ لتقوم الحجة عليهم، وتظهر صورة العدل فيهم. ولا يظلم ربك أحدًا . فالقدرة تُبرز ما سبق في الأزل، والحكمة تستر أسرار القدر. لكن جعل للسعادة علامات كالتوفيق والهداية للإيمان، وللشقاوة علامات ؛ كالخذلان والكفران. نعوذ بالله من سوء القضاء وحرمان الرضا. آمين.