ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

كما روى عكرمة، عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - " أنَّ رؤساء أهل مكَّة، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوسٌ عند الكعبة، فقالوا : يا محمد، إنَّ أرض مكَّة ضيقةٌ، فسير جبالها ؛ لننتفع فيها، وفجِّر لنا ينبوعاً، أي : نهراً، وعيوناً نزرع فيها، فقال :" لا أقدر عليه ".
فقال قائلٌ منهم : أو يكون لك جنّة من نخيل وعنبٍ فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً، فقال :" لا أقْدرُ عَليْهِ " فقيل : أو يكون لك بيتٌ من زخرفٍ، أي : من ذهبٍ، فيُغْنِيكَ عَنَّا، فقال :" لا أقدِرُ عَليْهِ " فقيل له : أما تَسْتطِيعُ أن تَأتي قوْمكَ بِمَا يسْألُونكَ ؟ فقال : لا أسْتطِيعُ، فقالوا : فإذا كنت لا تَسْتطِيعُ الخير، فاسْتطعِ الشَّر، فأرسل السَّماء ؛ كما زَعمْتَ، عَليْنَا كِسَفاً " (٢).
قوله أو ترقى : فعل مضارع [ منصوبٌ ] تقديراً ؛ لأنه معطوفٌ على " تَفْجُرَ "، أي : أو حتَّى ترْقَى في السَّماء، [ أي :] في معارجها، والرقيُّ : الصعود، يقال : رَقِيَ، بالكسر، يرقى، بالفتح، رقيًّا على فعولٍ، والأصل :" رُقُوي " فأدغم بعد قلب الواو ياء، ورقياً بزنة ضربٍ، قال الراجز :[ الرجز ]

أنْتَ الَّذي كَلَّفتَنِي رقْيَ الدَّرجْ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرجْ(١٣)
قوله تعالى : نَّقْرَؤُهُ يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون نعتاً ل " كتاباً ".
والثاني : أن يكون حالاً مِنْ " نَا " في " عَليْنَا " ؛ قاله أبو البقاء، وهي حال مقدرة ؛ لأنهم إنما يقرؤونه بعد إنزاله، لا في حال إنزاله.

فصل في سبب نزول الآية


قال المفسرون : لمّا قال المشركون : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا الآيات، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معهُ عبدُ الله بن أميَّة، وهو ابنُ عمَّته عاتكة بنت عبد المطلب، فقال : يا محمد، عرض عليك قومُك ما عرضُوا، فلم تقبلهُ منهم، ثمَّ سألوكَ لأنفسهم أموراً يعرفون بها منزلتك من الله تعالى، فلم تفعل، ثمَّ سألوك أن تعجِّل ما تُخوِّفهم به، فلم تفعل، فوالله لا أومن بك حتَّى تتَّخذ إلى السَّماء سلَّماً ترقى فيه، وأنا أنظر حتَّى تأتيها، وتنزل بنُسخةٍ منشورةٍ، ومعك نفرٌ من الملائكةِ يشهدون لك بما تقولُ. وأيم الله، لو فعلت ذلك، لظننتُ أنِّي لا أصدِّقك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حزيناً لما يرى من مباعدتهم(١٤).
ثم قال تعالى : قل، يا محمد : سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً أمره بتنزيهه، وتمجيده، أي : أنَّه لو أراد أن ينزل ما طلبوا، لفعل، ولكن لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر.
واعلم أنَّه تعالى قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآياتِ والمعجزات ما يغني عن هذا كلِّه مثل القرآن، وانشقاق القمر، وتفجير العيون من بين الأصابع، وما أشبهها، والقوم عامَّتهم كانوا متعنِّتين، لم يكن قصدهم طلب الدَّليل ؛ ليؤمنوا، فردَّ الله عليهم سؤالهم.
قوله : قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي قرأ ابن كثير، وابن عامرٍ(١٥) " قال " فعلاً ماضياً ؛ إخباراً عن الرسول - عليه الصلاة والسلام - بذلك، والباقون " قُلْ " على الأمر أمراً منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، وهي مرسومة في مصاحف المكيين(١٦) والشاميين :" قال " بألف، وفي مصاحف غيرهم " قل " بدونها، فكل وافق مصحفه.
قوله : إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً يجوز أن يكون " بَشَراً " خبر " كُنْتُ " و " رَسُولاً " صفته، ويجوز أن يكون " رَسُولاً " هو الخبر، و " بَشَراً " حال مقدمة عليه.

فصل في استدلالهم بهذه الآية


استدلُّوا بهذه الآية على أن المجيء على الله والذهاب محالٌ ؛ لأنَّ كلمة " سبحان " للتنزيه عمَّا لا ينبغي.
فقوله : سُبْحَانَ رَبِّي : تنزيه لله تعالى عن شيءٍ لا يليقُ به، وذلك تنزيهُ الله عما نسب إليه ممَّا تقدَّم ذكره، وليس فيما تقدَّم ذكره شيء مما لا يليقُ بالله إلا قولهم : أو تأتي بالله، فدلَّ على أنَّ قوله :" سُبحانَ ربِّي " تنزيهٌ لله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في الإتيان، والمجيء ؛ فدلَّ ذلك على فساد قول المشبهة.
فإن قالوا : لِمَ لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في اقتراح الأشياء ؟.
فالجواب : أنَّ القوم لم يتحكَّموا على الله، وإنما قالوا للرسول : إن كنت نبيًّا صادقاً، فاطلب من الله أن يشرِّفك بهذه المعجزات، فالقوم إنَّما تحكَّموا على الرسول صلى الله عليه وسلم لا على الله، فلا يليقُ حمل قوله : سُبْحَانَ رَبِّي على هذا المعنى، فيجب حمله على قولهم أَوْ تَأْتِيَ بالله .

فصل في تقرير هذا الجواب


اعلم أنَّ تقرير هذا الجواب : أن يقال : إما أن يكون مرادكم من هذا الاقتراح أنَّكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء، أو طلبتم منِّي أن أطلب من الله إظهارها على يديَّ ؛ لتدلَّ لكم على كوني رسولاً حقًّا من عند الله.
والأول باطلٌ ؛ لأنِّي بشر، والبشر لا قدرة له على هذه الأشياء.
والثاني أيضاً : باطل ؛ لأنِّي قد أتيتكم بمعجزة واحدة، وهي القرآن، فطلب هذه المعجزات طلبٌ لما لا حاجة إليه، وكان طلبها يجري مجرى التعنُّت والتحكُّم، وأنا عبدٌ مأمورٌ ليس لي أن أتحكَّم على الله ؛ فسقط هذا السؤال ؛ فثبت كونُ قوله : سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً جواباً كافياً في هذا الباب.

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية