البيت : هو المكان المعد للبيتوتة، والزخرف : أي المزين، وكان الذهب وما يزال أجمل أنواع الزينة ؛ لأن كل زخرف من زخارف الزينة يطرأ عليه ما يغيره فيبهت لونه، وينطفئ بريقه، وتضيع ملامحه إلا الذهب، ونقصد هنا الذهب الخالص غير المخلوط بمعدن آخر، فالذهب الخالص هو الذي لا يتأكسد ولا يتفاعل مع غيره ؛ لذلك يظل على بريقه ورونقه، فإن كان البيت نفسه من زخرف، فماذا سيكون شكله ؟
ونرى الذين يحبون أن ينافقوا نفاق الحضارات، ويتبارون في زخرفة الصناعات يلصقون على المصنوعات الخشبية مثلاً طبقة أو قشرة من الذهب ؛ لتظل محتفظة بجمالها، كما في الأطقم الفرنساوي أو الإنجليزي مثلاً.
ثم يقول تعالى : أو ترقي في السماء.. " ٩٣ " ( سورة الإسراء ) : أي : يكون لك سلم تصعد به في السماء، ويظهر أنهم تسرعوا في هذا القول، ورأوا إمكانية ذلك، فسارعوا إلى إعلان ما تنطوي عليه نفوسهم من عناد : ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه.. " ٩٣ " ( سورة الإسراء ).
وكأنهم يبيتون العناد لرسول الله، فهم كاذبون في الأولى وكاذبون في الثانية، ولو نزل الله عليهم الكتاب الذي أرادوا ما آمنوا، وقد رد عليهم الحق سبحانه بقوله : ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين " ٧ " ( سورة الأنعام ).
وانظر إلى رد القرآن على كل هذا التعنت السابق : قل سبحان ربي.. " ٩٣ " ( سورة الإسراء ).
وكلمة ( سبحان )كلمة التنزيه العليا للحق سبحانه وتعالى، وقد تحدى بها الكون كله ؛ لأنها كلمة لا تقال إلا لله تعالى، ولم يحدث أبداً بين الناس أن قالها أحد لأحد، مع ما في الكون من جبابرة وعتاة، يحرص الناس على منافقتهم وتملقهم، وهذه كلمة اختيارية يمكن أن يقولها كل إنسان، لكن لم يجرؤ أحد على قولها لأحد.
والحق سبحانه وتعالى يتحدى الكون كله بأمور اختيارية يقدرون عليها، وتحدى المختار في المثل معناها أنه سبحانه عالم بأن قدرته لن تستطيع أن تفعل ذلك، ومثال ذلك قول الحق تبارك وتعالى :
تبت يدا أبي لهب وتب " ١ " ما أغنى عنه ماله وما كسب " ٢ " سيصلى نارا ذات لهب " ٣ " ( سورة المسد ) : نزلت هذه الآيات في أبي لهب، وهو كافر، ويحتمل منه الإيمان كما آمن غيره من الكفرة، فقد آمن عمر والعباس وغيرهم، فما كان يدري رسول الله أن أبا لهب لن يؤمن، لكنه يبلغ قول ربه قرآناً يتلى ويحفظ ويسجل، وفيه تقرير وشهادة بأن أبا لهب سيموت كافراً، وأن مصيره النار.
وهنا نقول : أما كان في إمكان أبي لهب أن يكذب هذا القول، فيقوم في قومه منادياً بلا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ولو نفاقاً وله بعد ذلك أن يتهم محمداً وقرآن محمد بالكذب ؟ لكن هذا لم يحدث ؛ لأن المتكلم هو الله رب العالمين.
ومن هذا التحدي أن الحق سبحانه له صفات وله أسماء، الأسماء مأخوذة من الصفات، إلا اسم واحد مأخوذ للذات، هو لفظ الجلالة ( الله )، فهو علم على الذات الإلهية لم يؤخذ من صفة من صفاته تعالى، فالقادر والغفور والحي القيوم وغيرها من الأسماء مأخوذة من صفات، إنما ( الله )علم على الذات الجامعة لكل هذه الصفات.
لذلك تحدى الخالق سبحانه جميع الخلق، وقد أعطاهم الحرية في اختيار الأسماء أن يسموا أنفسهم أو أبناءهم بهذا الاسم ( الله )، ويعلن هذا التحدي في كتابه الكريم وعلى رؤوس الأشهاد يقول : هل تعلم له سمياً " ٦٥ " ( سورة مريم ).
ومع ذلك لم يجرؤ كافر واحد على أن يسمي هذا الاسم ليظل هذا التحدي قائماً إلى قيام الساعة ؛ لأن الله تعالى حق، والإيمان به وبوجوده تعالى متغلغل حتى في نفوس الكفار، فلو كانوا يعلمون أن هذه الكلمة كذب، أو لا وجود لها لأقدموا على التسمية بها دون أن يبالوا شيئاً، أما وهم يعلمون أن الله حق فلن يجرؤ أحد، ويجرب هذه التسمية في نفسه ؛ لأنه يخشى عاقبة وخيمة لا يدري ما هي.
لذلك رد الحق سبحانه على تعنت الكفار فيما طلبوه من رسوله صلى الله عليه وسلم قائلاً : سبحان ربي.. " ٩٣ " ( سورة الإسراء ).
لأن الأمور التي طلبوها أمور بلغت من العجب حداً، ولا يمكن أن يتعجب منها إلا بسبحان الله ؛ لأنها كلمة التعجب الوحيدة والتي لا تطلق لغير الله، وكأنه أرجع الأمور كلها لله، ولقد كان لهم غنى عن ذلك في كتاب الله الذي نزل إليهم : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون " ٥١ " ( سورة العنكبوت ) : والهمزة هنا للاستفهام المراد به التعجب أيضاً : أيطلبون هذه الآيات، ولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب، وقد كان فيه غناء لهم.
ثم يقول تعالى : هل كنت إلا بشراً رسولاً " ٩٣ " ( سورة الإسراء ) :
هل ادعيت لكم أني إله ؟ ! ما أنا إلا بشر أبلغكم رسالة ربي، وأفعل ما يأمرني به، كما في قوله تعالى :
بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيمٍ " ١٥ " ( سورة يونس ).
تفسير الشعراوي
الشعراوي