ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن شبهتهم هذه فقال : قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ أي : لو وجد وثبت أن في الأرض بدل من فيها من البشر، ملائكة يمشون على الأقدام كما يمشي الإنس مطمئنين مستقرين فيها ساكنين بها. قال الزجاج : مطمئنين : مستوطنين في الأرض، ومعنى الطمأنينة : السكون، فالمراد ها هنا : المقام والاستيطان، فإنه يقال : سكن البلد فلان : إذا أقام فيها وإن كان ماشياً متقلباً في حاجاته لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً حتى يكون من جنسهم، وفيه إعلام من الله سبحانه بأن الرسل ينبغي أن تكون من جنس المرسل إليهم، فكأنه سبحانه اعتبر في تنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين : الأوّل : كون سكان الأرض ملائكة، والثاني : كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا إليها، وسمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملائكة إليهم فائدة. وانتصاب بشراً و ملكاً على أنهما مفعولان للفعلين، و رسولاً في الموضعين وصف لهما. وجوّز صاحب الكشاف أن يكونا حالين في الموضعين من رسولاً فيهما وقوّاه صاحب الكشاف، ولعل وجه ذلك أن الإنكار يتوجه إلى الرسول المتصف بالبشرية في الموضع الأوّل، فيلزم بحكم التقابل أن يكون الآخر كذلك.
( الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم ) وأخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة. قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف : صنف مشاة، وصنف ركباناً، وصنف على وجوههم )، ثم ذكر نحو حديث أنس. وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله : مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ قال : يعني : أنهم وقودها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه في قوله : كُلمَا خَبَتْ قال : سكنت. وأخرج هؤلاء عنه أيضاً في الآية قال : كلما أحرقهم سعرتهم حطباً، فإذا أحرقتهم فلم يبق منهم شيء صارت جمراً تتوهج فذلك خبوها، فإذا بدّلوا خلقاً جديداً عاودتهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله : خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّي قال : الرزق. وأخرج أيضاً عن عكرمة في قوله : إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق قال : إذا ما أطعمتم أحداً شيئاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : خَشْيَةَ الإنفاق قال : الفقر وَكَانَ الإنسان قَتُورًا قال : بخيلاً. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة خَشْيَةَ الإنفاق قال : خشية الفاقة وَكَانَ الإنسان قَتُورًا قال : بخيلاً ممسكاً.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني