ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘ

ثم ذكر وصيته ليحيى عليه السلام ونعوته، فقال :
يا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً * وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً * وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً
قلت : صبيًا : حال من مفعول آتيناه ، و حنانًا و زكاة : عطف على الحُكْم .
يقول الحقّ جلّ جلاله : يا يحيى أي : قلنا يا يحيى، وهذا استئناف طُوي قبله جمل كثيرة، مما يدل على ولادته ونشأته، حتى أوحي إليه، ثم قال له : يا يحيى خُذِ الكتابَ أي : التوراة، وقيل : كتاب خُص به، فدلت الآية على رسالته. وفي تفسير ابن عرفة : أن يحيى رسول كعيسى. ه. وقوله : بقوةٍ أي : بجد واجتهاد، وقيل : بالعمل به، وآتيناه الحُكم صبيًا ، قال ابن عباس :( الحكم هنا النبوة، استنبأهُ وهو ابن ثلاث سنين )، قلت : كون الصبي نبيًا جائز عقلاً، واقع عند الجمهور، وأما بعثه رسولاً فجائز عقلاً، وظاهر كلام الفخر هنا أنه واقع، وأن يحيى وعيسى بُعثا صغيرين. وقال ابن مرزوق في شرح البخاري ما نصه :( الأعم : بعث الأنبياء بعد الأربعين ) ؛ لأنه بلوغ الأشد، وقيل : أرسل يحيى وعيسى - عليهما السلام - صبيين. وقال ابن العربي : يجوز، ولم يقع.
وقول عيسى عليه السلام :( إني عبد الله ) إخبار عما وجب في المستقبل، لا عما حصل. واستُشْكِلَ جواز بعث الصبي بأنه تكليف، وشرطُه : البلوغُ، إن كانت الشرائع فيه سواء. انظر المحشي الفاسي. قلت : والذي يظهر أن يحيى وعيسى - عليهما السلام - تنبئا صغيرين، وأرسلا بعد البلوغ. والله تعالى أعلم. وقيل : الحكم : الحكمة وفهم التوراة والفقه في الدين. رُوي أنه دعاه الصبيان إلى اللعب، فقال : ما لِلَعِبٍ خُلقت.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أخذ الكتاب بالقوة - وهو الجد والاجتهاد في قراءته - هو أن يكون متجردًا لتلاوته، منصرف الهمة إليه عن غيره، فلا يصدق على العبد أن يأخذ كتاب ربه بقوة، حتى يكون هكذا عند تلاوته. قال الورتجبي : خُذ الكتابَ بقوة أي : خذ كتابنا بنا لا بك، والكتاب كلام الحق الأزلي، أي : خذ الكتاب الأزلي بالقوة الأزلية. هـ. ومعناه أن يكون التالي فانيًا عن نفسه، متكلمًا بربه، ويسمعه من ربه، فهذا حال المقربين. والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير