ثم ذكر قصة مريم –عليها السلام- فقال :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذالِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً
قلت : إذ انتبذت : بدل اشتمال من مريم، على أن المراد بها نبؤها، فإن الظرف مشتمل على ما فيها، وقيل : بدل الكل، على أن المراد بالظرف ما وقع فيه. وقيل :" إذ " ظرف لنبأ المقدر، أي : اذكر نبأ مريم حين انتبذت ؛ لأن الذكر لا يتعلق بالأعيان، لكن لا على أن يكون المأمور به ذكر نبأها عند انتباذها فقط، بل كل ما عطف عليه وحكي بعده بطريق الاستثناء داخل في حيز الظرف متمم للنبأ. و مكانًا : مفعول بانتبذت، باعتبار ما فيه من معنى الإتيان، أي : اعتزلت وأتَتْ مكانًا شرقيًا، أو ظرف له، أي : اعتزلت في مكان شرقي.
يقول الحقّ جلّ جلاله : واذكرْ يا محمد في الكتابِ : القرآن، والمراد هذه السورة الكريمة ؛ لأنها هي التي صُدرت بذكر زكريا، واستتبعت بذكر قصة مريم ؛ لما بينهما من الاشتباك. أي : اذكر في الكتاب نبأ مريم إِذ انتبذتْ ؛ حين اعتزلت من أهلها وأتت مكانًا شرقيًا من بيت المقدس، أو من دارها لتتخلى فيه للعبادة، ولذلك اتخذت النصارى المشرق قبلة وقيل : قعدت في مشربة لتغتسل من الحيْض، محتجبة بشيء يسترها، وذلك قوله تعالى : فاتخذتْ من دونهم حجابًا .
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي